عانقت أوراقُ الأشجارِ الريحَ، وتراقصت ألوانها الذهبية…
حلّ الخريفُ ضيفًا هادئًا، يحمل معه نسماتٍ باردةً وسماءً ملبّدةً بالغيوم.
أتى كرسّامٍ ماهر، يصبغ الطبيعة بألوانٍ دافئةٍ بين الأصفر والبرتقالي.
تهادت أوراقُ الشجر إلى الأرض، وكأنها ترسمُ بساطًا من الجمال.
صوتُ الرياح يحمل ذكرياتٍ يخفيها الماضي وحكاياتٍ لفصلٍ جديد،
كأنشودةٍ هادئةٍ تمهّد الطريقَ لبرودة الشتاء.
في قدومه، تتباطأ الحركة، وتصبح الطبيعة لوحةً شاعريةً تنبض بالحنين للماضي،
ومعه تبدأ الأشجارُ رحلةَ توديع أوراقها، تاركةً خلفها ذكرياتِ الصيف.
تتساقط الأوراق كأنها رسائلُ وداعٍ كتبها الزمنُ على أجنحة الريح،
تحملها إلى حيث تنتهي رحلةُ فورانها العاصف،
فتهدأ وتستقر، تستقبل بداياتِ رحلتها الأخيرة مع الذبول والجفاف،
سميرها إلى أن يتلاشيا معًا، ويتمازجا مع العدم.
في تلك الليلة، جلستُ أتوارى خلف النافذة، أتأمل تلك الشجرة،
وريـاحُ الخريف تداعبها وتسقط أوراقَها.
وفي حوارٍ خفيٍّ، تتحدث به دموعُ عينيّ،
أتلمس زجاجَ النافذة…
ليت الخريفَ يأتي عندي،
فيُسقط أوراقَ ذكرياتٍ أُخفيها بين ثنايا روحي،
لأُحلّ قيودَ صدري من تلك الذكريات التي تُكبّله!
أُطيل النظر في الأوراق وهي تسقط تحت ضوء القمر،
وأُربّتُ نافذتي لتسمح بمرور بصيصِ ضوء،
وليدخل نسيمٌ يلامس خصلاتِ شعري برفق،
لكنه لم يستطع أن يُزيح ذاك الثقلَ الذي يسكن قلبي…
أسمع صوتَ ضحكاته، ترنيمةَ أغنياته التي تُسحرني بها،
مُشعلًا حواسي الهادئة، يحادثني عن الأحلام،
عن تلك الليالي التي تتجاوز الكلمات،
عن لحظاتٍ تذوب فيها الحدود،
عندما كانت تطول نظراتُ العيون،
فينتقل ذلك الشغفُ الدفين، ممزوجًا بلمساتٍ خفيفة،
رحيقٌ أحتسيه في كأسِ شوقٍ يُداعب وجداني،
ويُحيي رفاتَ نبضاتٍ تهمس بحنينٍ عتيق،
ذلك الحنين الذي يُعذّبني كما يُسعدني،
كأنما الحب يشدو في أعماق أعماقي!
تلك كانت ليالٍ كُثر…
بطيئة، وكأن اللحظات تأبى أن تنتهي،
يلفّهما سكون الليل، لكنه مفعمٌ بنبض القلب المتسارع،
وهمساتٌ تُداعب الأذن، تختلط الأحاديثُ بأصوات الضحك الخفيف
والتنهداتِ التي تعكس هدوء الروح،
ربما تُضاء الغرفة بنورٍ خافتٍ أو بشعلةِ شموعٍ
تزيد الأجواءَ دفئًا ورومانسية.
هذه الليالي ليست مجرد لحظاتٍ جسدية،
بل هي احتواءٌ وأمانٌ…
حميميةٌ عاطفية، كأنها عالمٌ بأسره يتقلص ليقتصر علينا فقط.
“أنا وعادل”… حلمٌ عاش معي في صمت، أحببته بصمت،
عينايَ تلاحقه كما تلاحق النجمةُ هلالَ السماء.
ذاتَ يوم، اختفى عادل، بعد أن قذف في وجهي رصاصتَه القاتلة قائلًا جملةً واحدة:
“أنا راحلٌ إلى المدينة الكبرى بحثًا عن مستقبلٍ أفضل.”
حاولتُ أن أدفن مشاعري، وأن أعيش حياتي كما يعيشها الآخرون،
لكنني لم أستطع…
كان الوجعُ يُطاردني، لكنه وجعٌ كنتُ أُحبه،
فهو يشبه قصيدةً حزينة، تجبرني على البكاء لكنها تملأني دفئًا،
ويشبه تراتيلي في محراب عشقٍ إمامُه غائبٌ عن العين، حاضرٌ في القلب،
كـ متبتّلٍ في ضريحٍ يرجو بثَّ الروحِ في ساكنه!
في كل ليلةٍ أجلس خلف النافذة، أتحدث إليه بصمت،
أحكي له عن يومي، وأسأله عن يومه في المدينة التي أخذته مني.
ورغم الألم الذي يُثقل قلبي، كنت أبتسم،
فبعض الأوجاع — وإن كانت مؤلمة — تمنح الحياة طعمًا لا تمنحه السعادة.
ذلك هو الوجع اللذيذ الذي يروي الحنين، ويروي القلب،
ذلك الوجع الذي صار سميري وأنيسي،
نسهر ليالينا ننتظر أن يهلّ علينا الصبح بخبرٍ جديد…
الكاتبة أميرة عبد العظيم