في غزّة تتقدّم امرأةٌ بثوبٍ أسود مغبرّ نحو بقايا بيتٍ صار كومةَ حجارة.
يدُها تمسك بطفلٍ صغير يجرّ قدميه على الركام، كمن يسير على حوافّ ذاكرةٍ متكسّرة.
لا تنظر المرأة إلى السماء، لأنها تعرف أنّ السماء في غزّة ليست سقفًا، بل فخٌّ معلّق؛
طائراتٌ تراقب أنفاسها كما تراقب حركة ظلّها.
الطفل يلتقط حجرًا صغيرًا ويضعه في جيبه.
تسأله:
— لماذا؟
فيجيب:
— لأبني بيتًا حين أعود.
لكنها لا تسأله:
— إلى أين ستعود؟
لأنها تدرك أنّ السؤال ذاته صار مستحيلاً؛
فالبيت لم يعد بيتًا، والعودة لم تعد عودة،
وإنما هي تعويذة صغيرة ضدّ الفراغ.
في الطريق تمرّ نساءٌ أخريات:
واحدة تحمل جالون ماء أثقل من جسدها،
أخرى تجرّ ثلاثة أطفال بيدٍ واحدة،
بينما اليد الثانية تضغط على جرحٍ لم يتوقف عن النزيف.
يتبادلن نظراتٍ صامتة،
كأنّهنّ يعترفن لبعضهنّ أن البقاء نفسه صار عملاً جماعيًا،
مثل الصلاة… أو الحراسة الليلية.
الأطفال في المشهد ذاته يبتكرون ألعابًا من الغياب:
يضعون حجارةً فوق حجارة،
ويرسمون عليها بالطباشير المحروق ملامح بيتٍ لا أحد يسكنه.
يضحكون، لكن الضحكة تشبه بكاءً مبتورًا؛
نصفها عالق في الحلق،
ونصفها الآخر في الغبار.
غزّة لا تُكتب بلغة التقارير،
بل بمشهدٍ يتكرّر:
أمّ تسير فوق الركام،
طفل يجمع حجرًا كأنه يجمع قلبه،
وسماءٌ تواصل صمتها المتفجّر.
هناك، العقلية ليست فكرًا مجردًا،
بل مشهدًا يُعاد كل صباح:
أن تحرس النساءُ رمادَ البيوت
كأنهنّ يحرسن ذاكرة الأحياء،
وأن يتعلّم الأطفال أنّ الطفولة ليست عمرًا،
بل استراحةً قصيرةً بين قصفين.
وحين يسأل الطفل أمّه:
— متى سأصير طفلًا؟
لا تجيب…
لأنها تعرف أنّ الجواب ليس في الكلام،
بل في الركام الذي يردّد السؤال كصدى أبديّ.
الكاتب نضال الخليل