الخوف يمشي على العكّازات للكاتب نضال الخليل

في المدينة التي يبتلعها الغبارُ كحيوانٍ قديم
لم يكن الخوفُ شعورًا يزورُ البيوتَ ويغادر،
كان مقيمًا في الأبواب،
يتناوبُ على نوافذها كحرّاسٍ عُميان
لا يعرفون لمن يفتحون
ولا متى يصفّقون بصرير المفاتيح.

كان الناس هناك يتعلمون النومَ واقفين
كي لا يطعنهم الحلمُ بما لا يقدرون على قوله.
كانوا يُخيطون جفونهم بالخيط المستعار
من بقايا الرايات
حتى لا يفضحهم البكاء
إذا ما سقط اسمٌ ميتٌ
من ذاكرةٍ مُعلَّقة.

الخوف لم يكن ظلًّا،
بل جسدًا له لحمٌ يتصبّب،
يجرُّ وراءه سجلاتِ الولادات،
ويكتب على كل ظهرٍ:
– “هنا يليق الصمت.”

كل من يحاول أن يختلسَ كلمةً
كان يسمع وقع حوافره في الداخل،
كأن الخوف نفسه يسكن الرئة
ويُدير الهواءَ بحسابٍ لا يطيق الخطأ.

وفي زقاقٍ لم يبقَ فيه سوى بوابةٍ صدئة
جلس العجوزُ الذي يبيع أعوادَ الثقاب.
لم يكن يبيع النار بل وهمها.
قال:
– “اشعلوا عودًا واحدًا…
ستعرفون أن الليل لم ينطفئ بعد،
وأن غدًا لن يأتي إلا على أكتاف الرماد.”

لم يفهمه المارّون،
ظنّوه يثرثر مثل المجانين،
لكن الأطفال كانوا يعرفون
أن صوته لا يذهبُ سدى.
كانوا يحفظون جُمله
كما يحفظون تعاويذ الجدّات في الأعياد.

المدينةُ كلّها تحوّلت إلى أذنٍ ضخمة:
كل حجرٍ يسمع،
كل جدارٍ ينقل الهمسَ إلى مكانٍ آخر،
فاختبأ الناس في لغاتهم الصغيرة.

أحدهم يتكلمُ بالأمثال،
آخر بالعيون،
امرأةٌ بالشجر المكسور.
لم يعد أحدٌ يقولُ “ثورة”،
بل صاروا يتهامسون:
“المشي إلى غير هذا الطريق.”

ولم يعودوا ينطقون “ديمقراطية”،
بل قالوا:
– “أن يُسمح لي بالضحك.”

البيوتُ نفسها بدأت تتفتت
كعائلاتٍ هاربة.
لم يبقَ سوى ذكرياتٍ تُهرَّب
في جيوبٍ ممزقة:
صورةٌ لأخٍ غاب،
كتابٌ لأبٍ مات،
ورائحةُ أمٍّ
لا يعرف أحدٌ إن كانت ما تزال
تزرعُ النعناع على سطح البيت.

الحدودُ صارت جدارًا أقوى من الحليب،
صار الانتماءُ يُوزَّع بالحصص مثل الخبز،
لا يزيد ولا ينقص.

ومع ذلك…
في العتمة كانت تحدثُ معجزاتٌ صغيرة:

طفلٌ يرسمُ شمسًا
على جدار المدرسة المهجورة،
امرأةٌ تعيد خياطة قميصٍ ممزقٍ لزوجها
وتكتب بخيطٍ أحمر كلمة “ربما”,
شيخٌ يدفنُ صوته
في كتابٍ لا يعرفه أحد.

هذه الأفعال البسيطة
لم تُنقذ المدينة من الخوف،
لكنها علّمتها
أن الخوف ليس نهايةً
بل بدايةٌ أخرى—
وإن كانت بطيئة، رخوة،
تمشي على عكّازات.

قال أحد الفتيان
وهو يضحك كمن يختبرُ الجرح:
– “الخوفُ يريدنا موتى في الحياة…
فلنمنحه حياةً في الموت.”

ثم أدار ظهره ومضى.

هكذا ظلّت المدينةُ
بين مطرقة الماضي
وسندان الغد.
لم تمتلك وعدًا،
لكنها امتلكت سؤالًا:

– “ماذا يعني أن تعيش
حين لا يُسمح لك بالحلم؟”

ذلك السؤال وحده
كان أكثر فتكًا من الخوف،
وأقربَ إلى النجاة.

الكاتب نضال الخليل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *