الرجل الذي سقط من عين المدينة للكاتب نضال الخليل

كان رجلًا يحبّ الكتب،
والكتب كانت تحبه،
لكنّ الخبز لم يحبه أبدًا؛
كلّما كتب جملةً نقصت من طعامه لقمة،
وكلّما حلم أكثر ضاق به السقف،
حتى صار ينام كالمجرم
تحت جدارٍ من الأفكار.

الناس كانوا يعرفونه:
ذاك الذي كان يحدّثهم عن الحرية
ثمّ يهرب من الفواتير.
كانوا يضحكون حين يرونه
في المقاهي القديمة
يكتب على أوراقٍ مهترئة كوجهه؛
ضحكتهم كانت حادّة
كالملاعق المعدنية التي لا تذيب السكر.

في البداية كانوا يحترمونه،
ثم ملّوه،
ثم احتقروه؛
هكذا تفعل المدينة مع مثقّفيها:
تصفّق لهم حين يموتون،
وتبصق عليهم حين يعيشون.

كان يمشي في الشارع
كأنه اعتذارٌ مؤجّل،
يحمل في جيبه قصيدة لم تكتمل
ووجعًا لا يكتبه أحد.
أحيانًا كان يضحك بلا سبب،
لأنّ الضحك آخر ما يملكه الفقراء
حين يفقدون الكرامة.

ذات صباح نظر في المرآة وقال لنفسه:
“كنتُ أظنّ أن الفكر يُنقذ…
لكنه لا ينقذ إلا من الحماقة،
والحماقة أسعد.”

في المساء رآه طفلٌ صغير
يطعم حمامةً خبزًا يابسًا.
سألته امرأةٌ عجوز:
– أما زلت تكتب؟
فقال وهو يفتّت الخبز:
– أكتب لأتذكّر أنّني كنت إنسانًا.

ضحكت المرأة ومضت،
والحمامة حلّقت نحو السماء الرمادية،
تاركةً في يده فتاتًا صغيرًا من الخبز،
كأنه برهانٌ على أن الفكرة مثل الخبز… لا تُشبع.

وفي الليل،
حين أطفأ المصباح،
أحسّ أن المدينة أطفأته معه،
لكنها لم تعلم
أنه كتب قبل النوم جملته الأخيرة:

“من يسخر من المثقف،
يسخر من جثّته القادمة.”

ثم نام.
ولم يستيقظ أحدٌ في الصباح ليسأله عن اسمه،
لأن المدينة
لا تتذكّر الذين عاشوا بلا صخب.

الكاتب نضال الخليل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *