في السودان،
لا حربٌ تُعلن نفسها تماماً،
ولا سلامٌ يعرفُ كيف يلبسُ حذاءه.
ثمّة ما يشبهُ التجاعيد في خرائط الروح؛
فالقصف لا يُصيب الجدران وحدها،
بل يُصيبُ المعنى حين يُفكّر أن يستريح.
تحت الرماد تصحو المدن
ككائناتٍ خُلِقت بلا ذاكرة،
تتلمّسُ أنفاسها بأصابعٍ من دخان،
وتضحك حين ترى
أن الموت أصبح خبزاً يُوزّع بالتساوي على الجميع.
في الخرطوم
يهربُ الظلّ من جسده،
يهرب كي لا يُعتقل بتهمة البقاء.
وفي الأحياء القديمة
تختبئُ النساء في صوت الماء حين ينكسر،
لأن الصمت هناك
صار أكثرَ جلبةً من القصف،
وأكثرَ صدقاً من الخُطب.
كلّ امرأةٍ تُصلّي على غيابها قبل النوم،
وكلّ طفلٍ يعلّق قلبه على المروحة
كي يدور ولا يذبل.
ما الذي تفعله الحرب؟
تُبدّل أسماء الأزقّة:
شارعُ الأمل صار زقاقاً للمفقودين،
و”شارعُ الثورة” تحوّل إلى ثقبٍ أسود
يبتلع الأصوات.
والمقاتلون؟
يقاتلون الفراغَ فيهم
قبل أن يطلقوا النار.
يظنّون أنّ البندقية تُرمّم اليقين،
وأنّ الجوع إذا تأنّق
صار فكرةً وطنية.
ثمّة نهرٌ في السودان
يتذكّر أنّه كان نهراً،
لكنه الآن يحملُ جثثاً تتشبّثُ به
كما تتشبّثُ القصيدةُ بحرفها الأخير.
النهر لا يلوم أحداً،
لكنّه يتهجّى الوجوه المتآكلة ببطء
كي يتذكّر من عاش يوماً على ضفّتيه
دون أن يكتب وصيّته في الطين.
في دارفور
الريحُ ليست ريحاً،
لكنها رسالةٌ من الغياب إلى الغياب.
تقول الريح:
– كلُّ موتٍ ناقصٌ يحتاجُ إلى شاهدٍ واحدٍ على الأقلّ كي يُكمِلَ شكله.
لكنّ الشهود هناك
إمّا نازحون،
أو جائعون،
أو يُطاردون ظلّهم
الذي تاه منهم في الطريق إلى المخبأ.
في هذه البلاد
التي تُقايضُ الدمَ بالماء،
صار السؤالُ أكثرَ خطورةً من الرصاصة:
– هل نعرف فعلاً لماذا نحيا؟
– أم أنّ الحياةَ هنا مجرّد خطأٍ مطبعيٍّ في كتاب القدر؟
يضحك الليلُ حين يسمع هذا السؤال؛
يضحك لأن الضحكَ آخرُ ما تبقّى
من حيلةٍ للناجين.
أمّا النهار
فيمشي متأنّقاً فوق الركام
كموظّفٍ قديمٍ في دولةٍ انتهت
لكنه لا يريد أن يسلّم مفاتيح الدهشة.
هكذا يتّسع السودان،
لا على الخرائط،
بل في الجُرح.
بلادٌ تُعيد اختراع البكاء،
وتُعلّم الموتى فنَّ الانتظار.
بلادٌ تمشي إلى مستقبلها
وهي تضعُ يدها على قلبها—
لا خوفاً منه،
بل خوفاً عليه
من أن يتعلّم كيف ينسى.
الكاتب نضال الخليل