الشبيه الأخير للوطن للكاتب نضال الخليل

كان مهمَلًا على كرسيّه، كأنّ الخشب نفسه يلوّح بعتبه كلما تغيّر عليه ضوء الغرفة.
الكرسيّ لم يكن أثاثًا، كان المسافة الأخيرة التي يملكها بينه وبين أن يسقط في هوّة اسمه.

يكتب لا لينجو، بل ليفتش بين أوراقه عن جنديٍّ بقي واقفًا من جيش الهزائم التي سقطت حوله.
أوراقه مبعثرة:

بعضها يعضّ النصوص,

بعضها ينهش الرأي,

بعضها يجرّ ساقه المهشّمة ليجرّ معه يقين الكاتب.

وكان هو يختبئ وراء أصابعه، كأنّ بين سلامياته مخبأً لعصفورٍ خائف ينتظر صفير المعجزة.

حتى جاءت شبيهته: امرأةٌ لا تأتي من الباب، بل من شقٍّ في الهواء، محمّلةً بنور غيم صيفٍ نسي أن يتبخر.
كانت تجرّ شالها على الأرض، لا لتدفأ، بل لتغطي الخراب المتروك تحت قدميه.

دخلت كأنها تذيب الجدار باللين، وتعيد ترتيب الغرفة بما يشبه حيلةً كونية:

ضوءٌ يتكاثر،

كرسيٌّ يصبح أكثر احتمالًا،

أوراق تتوقف عن الهرب.

لم تكن امرأة فقط، كانت وطنًا بحجم امرأة، وامرأةً بحجم وطن ناقصٍ ضلعاً، لكنه يشبه الفردوس حين يبتسم.

كتب معها ومشى معها في الجملة، كأنه يمشي على ماءٍ مدجّج بالقداسة.
صلّى معها، لا ليؤمن، لكن ليختبر كيف يمكن لدعاءٍ أن يجرّ قلبه إلى الأعلى.
وغنّى معها، وكان صوته مرتبكًا، كأن حنجرته تحاول أن تصبح شرفة.

وحين مدّت يدها، لم تنتشله فقط، لكنها انتزعت من جيبه آخر قطعة من عتمةٍ كان يربيها مثل حيوانٍ أليف، وأخذته إلى صهوة الممكن؛ ذلك المكان الذي يقول فيه الظل لصاحبه:

“لقد تأخرتَ، لكني انتظرتك.”

كانت شبيهته نعم، لكنها كانت الشبيه الذي يُربّي الأصل، لا النسخة التي تتخفى.
كانت تقول للصوت المهزوم في داخله:

“انهض… فالليل لا يليق بك.”

الكاتب نضال الخليل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *