لمّا عدتُ؟
لم تعد القرية تعرفني.. الطرقاتُ تتلوّى تحت قدميّ كما لو أنّها تحفظ لي عدداً من الأسماء لم أعد أنا.
كانت تنظر إليّ كأمٍ يُعاد إليها طفلٌ يذكّرها بابنها لكنه ليس هو.
كل حجرٍ كنتُ أحمله في ذاكرتي صار يتهرّب من قدميّ خائفاً أن يلمس حضوري، خائفاً أن يشهد على غيابٍ طويل.
رائحةٌ توقفت عندها قدماي: خليطُ شجرٍ متعبٍ وغبارٍ لا يعرف الرحيل.
المكان ما زال موجوداً لكنّي لم أعد أنا ذاته.
أعود من زمنين:
-
زمنٌ سرق ظلي.
-
وزمنٌ أعاد لي جسداً بلا ظلّ، أو ربما مع ظلٍّ يشبه الانكسار أكثر من الظلّ نفسه.
دخلتُ البيت… البيتُ الذي غادرته ظلّ، وحيداً يُرتّب غيابي على الرفوف، يهوّي الوحدة كل صباح.
على الجدار مرآتي القديمة تنتظر أن تعرفني. لم أرَ وجهي فيها، بل حاولتُ أن أعرف إن كانت تعرفني. ارتبكت المرآة، ظهر رجلٌ يشبهني، جبينه مثقوب بانكسار لم أرَه من قبل. قلت له:
-
مَن نحن؟
لم يُجب، هزّ رأسه كمن يسمع موسيقىً لا أسمعها.
جلستُ في الغرفة التي كانت غرفتَي، وصارت أصغر من طفولتي، مختبئةً تحت خوفٍ من الريح أو من الذاكرة. فتحتُ النافذة، فرّ الضوءُ كمتّهمٍ يعرف أنّ النهار يحاكمه الآن.
على السرير دفتري القديم ينتظرني. فتحتُه، خطّي قبل الانكسار يكتب:
-
أريد أن أكبر لا لأرى العالم، لكن لأرى نفسي في العالم.
ابتسمتُ باهتاً.. كم كنتُ غبياً حين ظننتُ أنّ لي مكاناً في خارطة تُمحى كل ليلة وتُرسم من جديد كل صباح.
عدتُ اليوم، ولم أجد إلا رجلاً غريباً يسكن وجهي.
في المساء خرجتُ إلى الفناء. من الأرض جاء صوتٌ يذكرني بدقّ قلبي قبل ثلاثين عاماً:
-
ارجع… ليس لأن المكان يريدك، لكن لأنك لم تغادره بما يكفي.
حينها فهمتُ: لم أكن عائداً إلى القرية، بل كنتُ أحملها معي طوال الرحيل كظلٍّ عاجزٍ عن الحركة، لا يتقدّم ولا يختفي.
رفعتُ رأسي إلى السماء —لأول مرة منذ زمنين— فلم يسقط نورٌ عليّ، لكن سقطت فكرةٌ واحدة:
-
الحرية ليست غياب الخوف، لكنها الاعتراف بأنك خفتَ طويلاً.
فقط حينها شعرتُ أنّ القرية تعرفني، أو أنّني أنا الذي تذكّرتها بعد عمرٍ كاملٍ من الاختفاء في جسدي.
الكاتب نضال الخليل