الكواكبي الحاضر دائمًا للكاتب محمود محمد أسد

لم يقدم الكواكبي أفكاراً معلَّبة ومسبقة الصنع، أو مستوردة مهجَّنة أو مستنسخة، ولم يقدم أفكاراً لم تُفَصَّل لطبيعة تكويننا وطبيعتنا، لا لون لها ولا رائحة، وتموت مع أول موسم وافد.

تمرد العقل الحصيف

نعم، الكواكبي كان متمرّداً على الواقع، ولكن تمرّدَه مدروسٌ ومسلّحٌ بالعقل الحصيف، وليس تمرّداً أهوج.
أفكاره ليست ضبابيّةً أو سوداوية، وليست مُغلَقة على نفسها، بل نراها إلى جانبنا، لا تحتاج إلى فكّ ألغازها ورموزها، ولا تدعوك للتهوّر والانكفاء على الذات.

قد فهم العلاقة بين المستبدّ والشعب، وبين المستبد والعلماء، وبين العلماء والشعب — وهي علاقات لها دلالاتُها وتأثيرُها ونحن أحوج ما نكون إليها.
ولو جئْنا بأفكار الكواكبي مجرّدةً من صاحبها وعصرها ووضعناها أمامنا لعرفنا مدى صلاحيتها وأهميتها للمرحلة الراهنة.

“أفكار الكواكبي لا تموت بزوال زمانها، بل تمتد لتلامس حاضرنا.”

حدود العلاقة بين الدين والسلطة

تمكن الكواكبي من وضع الحدود في العلاقات.
فهو يريد من رجل الدين أن يكون كسلفه الصالح، يتقرّب له الحاكم ويهابه، لا أن يتقرب هو للحاكم ويتملّقه ليكسب وده وعطاياه.
وهي نقطة هامة تدعو للتأمل وإكبار عقل الكواكبي.

من خلال نظرته المتأنيّة وعقله الراجح، وضع الحدود للممارسات الدينية، فأظهر الخطأ من الصواب، وحمَّل رجال الدين كامل المسؤولية.
فقد شنَّ الحرب على بعض ممارسات المتصوّفة الذين نسوا وظيفتهم الدنيوية الفاعلة، واتّجهوا إلى عالم غريب مشوب بالحذر والنتوءات.

“ومن العادة أن يلجأ ضعيف العلم إلى التصوف كما يلجأ فاقد المجد إلى الكِبَر، وكما يلجأ قليل المال إلى زينة اللباس والأثاث.”

نقد العلماء المنافقين والقضاة

يعرّي الكواكبي أولئك المدَّعين العلم، والعلم منهم براء.
فبعضهم لا يحسنون قراءة نَعْوَتِهمْ المزوّرة، وبعضهم يشرك بالله، يلبسون كما يلبس كهنة الروم.
ويشنُّ غضبه على قضاة الدولة العثمانية الذين باعوا المناصب واشترَوها، واقتصرت وظائفهم على المنافقين، مما ساعد على بروز فئة جاهلة تدّعي العلم بالدين.

وهذه القضيّة لو تأملناها في وقتنا لوجدنا أكثر من ذلك، وهناك من يشجِّعها ويرسّخها.

فنحن بحاجة لرجال فكر إسلامي، يبحثون ويجتهدون ويقتربون من الواقع بعيدًا عن الجمود والتحجّر.
وقد وجد الكواكبي صدودًا من هؤلاء، لأنهم وجدوا فيه محطِّمًا لطموحاتهم.

العقل طريق النهضة

استند الكواكبي في دعوته إلى الجانب العقلي، فكان حريصًا على دراسة العلوم العقلية، وخاصة الرياضية والطبيعية،
وأرجع تخلّف المسلمين واستكانتهم إلى إهمال هذه العلوم.
وأجزم أن هذه الوصفة مازالت تنبض بالحياة وتوزن بالذهب لأهميتها وحاجتنا إليها كي نواكب العصر ومنجزاته العلمية.

الجرأة والإصلاح

جرأة الكواكبي تجاوزت نقده للمجتمع لتصل إلى السلطنة العثمانية نفسها.
فرأى أن أفضل الجهاد هو الحطُّ من قدر العلماء المنافقين والجهّال، وتحويل احترام الناس للعلماء العاملين.
حتى إذا رأى الحكّام ذلك، انقادوا هم أيضًا لاحترام العلماء.

وفوق هذا، وضع على العلماء مسؤولية دخول الخرافات والبدع إلى المجتمع، متسلّحًا بالاعتدال:
ليس مع المتشدّدين، وليس مع المتساهلين، بل على مبدأ لا تفريط ولا إفراط،
والأخذ بمقولة الفضيلة وسط بين رذيلتين.

“عامة الناس يندفعون وراء الفئة الضعيفة من العلماء، فينعكس ذلك سلبًا على المجتمع اجتماعياً وفكرياً واقتصادياً.”


من كتاب «الرؤى الإصلاحية عند المفكر عبد الرحمن الكواكبي» – بمناسبة حلب عاصمة الثقافة الإسلامية ٢٠٠٦

الكاتب محمود محمد أسد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *