في البدء، كان الجدار لا حجارة فيه، لا إسمنت، لا يد بَنَتْه ولا ريح هدَمَته.
جدارٌ بلا ظلّ، يتكئ على وهمٍ جمعيّ يقنعنا أن الكلام حين يُكتَب لا يُنسى، وأن الصورة حين تُعلّق تصبح هوية.
هذا الجدار الذي نلوذ به من الوحدة هو نفسه الذي يضع المرايا المكسورة في وجوهنا ليعيد تشكيلنا لا كما نحن، بل كما يليق بشهوة العرض.
في هذا الدفتر – دفتر المجانين – لا أحد يمشي على قدميه؛
الجميع يزحف في ذهن الآخر.
تُصبح السذاجة بلاغةً، ويُعاد تدوير الجبن ليُباع شجاعةً معلّبة.
يُصبح الصمت جريمة، والكلمة شبهة، والصدق صورةً باهتةً لا تجد من يعيد نشرها.
لا شيء أكثر توحشًا من لوحة المفاتيح حين تتحول إلى حنجرة تصرخ دون جسد،
ولا شيء أكثر عبثًا من الإعجابات وهي تتكاثر فوق نصوصٍ لا تقرؤها العيون، بل تُطبطِب عليها الأصابع.
العالم هنا لا يتنفس؛
إنه يتهجّى أنفاسه من بين إشعارات فارغة.
هنا لا حاجة لرئيس تحرير، لأن كل واحدٍ فينا نصب نفسه:
ملكًا، ووزير داخلية، ولغةً رسمية، وطقسًا متقلبًا بين الثرثرة والمبالغة.
في هذا الركام الإلكتروني تُنشر الغرف المغلقة كما تُنشر القصائد،
وتُعلّق الملابس الداخلية كما تُعلّق الأعلام.
لا أحد يميز بين جملةٍ كُتبت بحُب، وأخرى كُتبت بتوقيت الغضب.
من يصنع من نفسه سيرةً ذاتية علنية عليه أن يقبل أن يتحول إلى سيرةٍ للآخرين.
ومن يعلّق قلبه على هذا الحبل الأزرق عليه أن ينتظر ساعة السقوط،
حين لا تمسكه يد، بل يُشير إليه ساخرًا إصبع.
كل من في هذا الدفتر يمشي بعكازٍ من الذاكرة المؤقتة،
ينشر خوفه متنكرًا في ثوب رأي،
ويصوّر عزلته على أنها وعي،
وينتظر التصفيق من غرباء لا يعنيهم إن كان يرقص أم يتعثر.
هذا الجدار هو غرفة الاعتراف الجماعي
بلا كاهن، بلا صفح، بلا مغفرة.
الجميع يعترف لا طلبًا للخلاص، بل شهوةً للظهور.
إنه العالم حين يتقيأ نفسه كل دقيقة ويطلب التصفيق.
إنه الجنون وقد تعلّم كيف يكتب، وكيف يعلّق، وكيف يرفق صورةً ساخرة ويكتب تحتها:
“مجرد مزحة”
لكن المزحة — ككل شيء هنا — تكشف ما لا يُقال.
هذا الجدار لا يسقط لأنه ليس قائمًا؛
هو في عقولنا فقط،
ومنه نتدلّى كدمى،
نحرّك خيوطنا بأيدينا ونضحك —
دون أن نعرف من يضحك علينا.
الكاتب نضال الخليل