الوطن الذي يتنفس تحت التراب للكاتب نضال الخليل

في المعبدِ يصلّون للوطنِ كما يُصلّى للموتى،
وفي المقهى يلعنون الوطن كما يُلعنُ الحظّ العاثر.
وبينهما يمرّ شارعٌ اسمه الحياد،
يمشي فيه الفقراء حاملينَ أكياسَ الرغيف،
ووجوهَهم إلى الأرض.

رجلٌ في المقهى يقول:
– الوطنُ الآنَ ساحةُ مساوماتٍ بين الربّ والطائفة.
فيردّ عليه آخر:
– بل هو ساحةُ مساومةٍ بين المواطنِ وظلّه.

في المعبدِ يُقال إنّ الوطنَ وديعةُ الله في القلوب،
وفي المقهى يُقال إنّه وديعةُ الخوف في الجيوب،
أمّا في الشارع فيبقى الصمتُ هو اللغةَ الرسمية،
كأنّ الكلامَ نفسه أصبحَ طائفةً محرّمة.

في المقبرةِ الكبيرةِ عند أطراف المدينة
وقفَ رجلٌ نحيلٌ يرتدي معطفًا من الغبار.
قال إنّه جاءَ ليلقي خطبةً في جثمان الوطن.

تجمّعَ الناسُ:
كلٌّ يحملُ علمَهُ الصغير،
ودموعَهُ الخاصة،
وخوفَهُ من الآخر.

وقفَ الرجلُ على صخرةٍ وبدأ الكلام:

– أيها المواطنون—إن كنتم ما زلتم كذلك…
هنا يرقدُ الوطنُ الذي قُتل بسوء الفهم.
لم يمتْ بالرصاص بل بالتمييز.
لم يُدفنْ تحت التراب بل في العقول.
ستّون عامًا من الحكمِ الحديديّ جعلتنا نحفرُ لأنفسنا قبورًا من المفاهيم.
كنّا نعيشُ داخل أسوارٍ من المذهبِ والدم ونسمّيها وطنًا كي لا نشعرَ بالعار.
اليوم نودّعه… لا لأنّه رحل، بل لأننا لم نعد نستحقّه.

ثمّ صمتَ ونزلَ عن الصخرة.
انحنى الجميعُ أمامَ قبرٍ لا يحملُ اسمًا.

وبينما كانوا يغادرون،
تسرّبَ صوتٌ من تحتِ التراب يقول:

– ما زلتُ أتنفّس… لكن أنفاسي لم تعد تشبهكم.

الكاتب نضال الخليل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *