«تليباثي»… حين تتحول الفكرة إلى كائن يعبر العقول قراءة في قصة الدكتورة مها حسن للكاتبة أميرة عبدالعظيم

العنوان بوصفه مفتاحًا دلاليًا

«تليباثي»… يا له من عنوانٍ مثير، يحمل مفتاحًا حقيقيًا لفهم العالم الداخلي للقصة. فالكلمة تعني التخاطر؛ تلك الظاهرة التي تنتقل فيها الأفكار بين العقول من دون أي وسيط، كأن خيطًا خفيًا يشبك الأرواح قبل الكلمات.
العنوان لا يأتي لافتًا فحسب، بل يضع القارئ مباشرة أمام سؤال مركزي:
كيف تنتقل الفكرة؟ ولمن تنتمي حقًا؟

الفكرة ككائن حي

في قصة تليباثي، تتجسد الفكرة وكأنها كائن حيّ حرّ الحركة؛ تمر من عقل كاتب إلى آخر، وتغيّر ملامحها في كل تجربة، تمامًا كما تفعل الخاطرة حين تعبر طبقات النفس بين الوعي واللاوعي.
العنوان هنا ليس تسمية، بل روح العمل وبوابة التأويل، ويكشف أن الإبداع ليس ملكًا لأحد، وأن الأفكار بطبيعتها تسبح بحرية وتستقر حيث تشاء، ثم تواصل رحلتها.

عندما تصبح الفكرة امرأة لعوبًا

تقدّم القصة معالجة رمزية مبتكرة للإلهام الأدبي؛
تظهر الفكرة كامرأة براقة، متمايلة، تتسلل بخفة عبر منافذ الحواس إلى عقول الكتّاب، تتلاعب بذكرياتهم، وتوقظ خيالهم، وتترك وراءها مشاهد تتشكل بحسب بصمة كل كاتب.

  • عند الكاتب الأول:
    رجل يسير على شاطئ البحر عند الغروب، وقارب تقف عليه امرأة تلقي شباكها.

  • عند الكاتب الثاني:
    يتحول الرجل إلى منقذ يقفز لإنقاذ القارب من الغرق.

  • عند الكاتب الثالث:
    تصبح الحكاية بذرة حب تنمو بين الرجل وصائدة السمك.

الفكرة واحدة… الأصوات ثلاثة…
العالم واحد، لكن زوايا النظر متباينة، وهو ما يجسده العنوان بدقة:
تخاطر بين عقول متباعدة، يشترك في نبض سري واحد.

خيانة الإلهام… أم حرية الفكرة؟

يشتعل الصراع حين يكتشف الكتّاب الثلاثة تشابه نصوصهم، فيتبادلون الاتهامات بالسرقة، غير مدركين أن الفكرة نفسها هي التي لعبت بهم جميعًا.
لقد كانت تنتقل بينهم بمرح طفولي، تاركة لهم أوهام الملكية، بينما هي في الحقيقة كائن حرّ يعبر حيث يشاء ومتى يشاء.

النهاية: استحالة القبض على الفكرة

في النهاية تحاول الكاتبة الإمساك بالفكرة، سجنها في دواة الحبر، وتثبيتها على الورق قبل أن تهرب مجددًا إلى عقل آخر.
وهي صورة رمزية بديعة لطبيعة الكتابة نفسها:
محاولة يائسة للإمساك بما لا يمكن الإمساك به.

خلاصة

قصة «تليباثي» ليست مجرد حكاية،
بل عمل ذكي ولامع يعيد تعريف الفكرة بوصفها كائنًا يكتبنا قبل أن نكتبه، ويسبقنا قبل أن نلحق به.

الكاتبة أميرة عبدالعظيم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *