حسيبة عبد الرحمن – ذاكرة الوطن في مرارة السماق للكاتب نضال الخليل

ليست السماق المرّ رواية بالمعنى المتداول، بل جرحٌ يُكتَب لا ليُشفى، بل ليُبقي الذاكرة يقظةً أمام نزيفها.

تخرج حسيبة عبد الرحمن من صمتٍ طويل لتكتب لا عن المرأة، بل عن البلاد وهي تتأنث في وجعها؛ عن وطنٍ يرى في أنوثته مرآة قهره.

كل صفحة في الرواية تتذوّق المرارة كما يتذوّق الفم السماق: لاذعٌ، صافٍ، يلسع اللسان ليوقظ الحواس الغافية.

في هذا العمل لا يجيء السرد ليروي، بل ليستفزّ الذاكرة كي تعترف بسلطةٍ ما زالت تعيش في الجسد بعد أن غابت عن المؤسسات.

حسيبة لا تكتب لتوثّق الماضي، بل لتسائل الحاضر الذي وُلد من رحمه؛ كأنها تحاكم الزمن لا الأشخاص.

وُلدت الرواية من تجربةٍ ذاتية عاشتها الكاتبة في الاعتقال السياسي خلال ثمانينات سوريا، لكنها لا تكتب السجن كمكان، بل كحالةٍ سارية في الهواء.

فالخوف في نصّها لا يخرج من القضبان، بل يختبئ في رائحة المطبخ، في ارتجافة الهاتف، في خبزٍ تُعدّه المرأة وهي تنصت إلى ذاكرةٍ لا تهدأ.

الأنثى هنا ليست صوتًا فرديًّا؛ هي استعارةٌ للبلاد المرهقة، كأن الوطن هو الجسد نفسه وقد حُفر عليه تاريخ الخوف.

إنها كتابة عن الوجع الجمعي من خلال تفاصيل الأنوثة اليومية؛ عن سلطةٍ تُعيد إنتاج نفسها في أبسط الحركات وأكثرها حميمية.

الذاكرة في السماق المرّ ليست ملاذًا… بل قيدٌ جديد.
هي ليست استعادة لما كان، بل استدامة للعقاب.

من يتذكّر في هذا النصّ لا يتحرّر، بل يُبتلى، لأنّ التذكّر في عالم القمع فعلُ تحدٍّ، ولأنّ النسيان وحده يُمنح جائزةً للمستسلمين.

الكاتبة تكتب ضدّ النسيان، لكنها تعرف أن الذاكرة ليست بريئة؛ تحفظ الجلاد كما تحفظ الضحية، وتعيد القهر في هيئة طقسٍ يوميّ من الاستحضار.

الرواية كلها تُقام على سؤالٍ واحد:
هل يمكن للذاكرة أن تكون نجاةً؟
أم أنّها وجهٌ آخر للسلطة التي نحملها في دواخلنا دون أن ندري؟

الزمن في السماق المرّ لا يسير… إنه يلتفّ، يتلكأ كما لو كان يخشى الوصول.
فالحاضر ظلٌّ للماضي، والماضي لا يرحل، كأن الرواية تمشي داخل حلقةٍ من وعيٍ مأزومٍ لا يملك بداية ولا نهاية.

الكاتبة تكتب من الذاكرة نحو الذاكرة، لا من الماضي إلى المستقبل.
كل لحظة تتذكّر الأخرى، وكل صفحةٍ تُعيد صدى الصفحة السابقة.

أما المكان فلا يُبنى بالجدران بل بالخوف.
المنزل يتحوّل إلى زنزانة، والممرّ إلى طريقٍ للمساءلة، والمطبخ إلى مساحةٍ للتوجّس.
كل شيء في الرواية يعيش على وشك الانهيار، كأنّ الجدران نفسها تتهدّل من وطأة الذاكرة.

ومع ذلك تظل هناك جغرافيا أخرى:
جسد المرأة بجلده وندوبه وخوفه، هو الوطن الحقيقي الذي يُقاوم حين تُخرِس البلادُ نفسها.

اللغة عند حسيبة عبد الرحمن لا تروي، بل تنقذ.
إنها الحبل الذي تلقيه الكاتبة إلى ذاتها في بئر الخوف.
تكتب كما لو أنها تتنفس من ثقبٍ ضيّق في الليل.
كل جملةٍ تُنحت من صمتٍ طويل، وكل مفردةٍ تلتفّ على معناها كما تلتفّ الحيّة على دفء قلبها في البرد.

لا تقول الكاتبة الحقيقة، بل تدور حولها؛ تعرف أن المباشرة خيانة للوجع، وأن ما يُقال بصوت منخفض يبقى أصدق في الذاكرة.

اللغة هنا ليست أداة… بل أخلاق للمقاومة.
تمشي على الحافة لتثبت أن الكتابة نفسها فعل حياة.
وحين تفقد البطلة وطنها، تقيم في اللغة.
وحين يُمنع صوتها، تصنع من الصمت نغمةً تذكّرها بأنها ما تزال تنبض.

السماق المرّ ليست رواية عن المرأة، بل عن الأنوثة كوجهٍ للوطن.
إنها مرآةٌ مكسورة يرى القارئ فيها وجهه، ويسمع من خلالها صدى الخوف الجمعي الذي لم يغادر السوريين بعد.

تكتب حسيبة عبد الرحمن لتقول إنّ الجرح لا يُشفى بالكتابة… لكنه على الأقل يصير ناطقًا.

ولعل أعظم ما في هذا النصّ أنه لا يقدّم الحكاية بقدر ما يقدّم اللغة كنجاةٍ من الخراب، كأن الرواية كلها محاولة لتذكيرنا بأنّ الذاكرة، مهما خانت، هي آخر ما نملكه حين يُصادر الوطن.

الكاتب نضال الخليل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *