حين تُولَد الطاعة قبل أن يتعلّم الطفل الكلام للكاتب نضال الخليل

في شقّة صغيرة معلّقة بين سماءٍ رمادية وأرصفة المدينة جلس آدم أمام دفترٍ أبيض لم يعرف بعد لماذا احتفظ به كل هذه السنوات.
لم يكن دفترًا ليوميات ولا كتاب ملاحظات، كان شيئًا يشبه المسودّة المؤجّلة لصوتٍ لم يُسمح له أن يظهر.

في الصفحة الأولى، كتب:

كنت أقول نعم، لأن لا كانت كلمةً خطيرة.

كأنه يتذكّر الآن بعد خمسين عامًا أن أول جريمة فكرية اقترفها لم تكن فكرةً جامحة، بل مجرّد رغبة طفولية في أن يقول “لا”:

لا أريد هذا الطعام،
لا أريد أن أذهب للمدرسة،
لا أعتقد أن أبي دائمًا على حق.

لكن كلمة “لا” لم تكن جزءًا من قاموسه.
لم يتعلّمها في البيت، لم يتعلّمها في المدرسة، لم يرَها في نشرات الأخبار.

كل شيء كان مُصاغًا ليجعله يقول “نعم” حتى قبل أن يفهم السؤال.

يقول هشام شرابي إن النظام الأبوي ليس مجرد شكل من أشكال السلطة، بل شبكةٌ خفية تتسلّل إلى اللغة، إلى طريقة الجلوس، إلى أسلوب التربيت على الكتف.
وهو على حق، فآدم لم يكن يعرف متى بدأ يطيع، ولا كيف توقّف عن الاعتراض.

كان يظن أنه رجلٌ حرّ حتى طُلب منه ذات يوم في العمل أن يوقّع على تقريرٍ لم يكتبه.
قال له المدير:

“إجراء روتيني.”

فتردّد، لكن أصعب ما في الأمر لم يكن التوقيع، بل السؤال الذي راوده بعد ذلك:

لماذا بدا هذا الموقف مألوفًا جدًا؟
لماذا لم يشعر بالغضب بل فقط بالخوف؟

الخوف الذي يعرفه منذ كان في الخامسة، حين صرخ به والده لأنه سأله “لماذا؟”

هناك في داخله — كما في داخل كثيرين — لم يكن المدير مجرد مسؤول،
كان صورةً أخرى للأب.
وكما أن الأب لا يُسأل، فهكذا المدير، وهكذا الرئيس، وهكذا شيخ الحي، وهكذا كل من يرتدي سلطةً ما.

كل شيء في المدينة بدا مصمّمًا ليذكّره بأبوّةٍ لم يخترها.

في المقهى كانت الشاشات تبثّ خطابًا حكوميًا عن الإصلاح،
والمذيع يبتسم بثقة لا تسمح بالمقاطعة.
وفي الشارع كانت لافتات التوعية تقول:

“معًا نحو مجتمع منضبط.”

وكأن الانضباط ليس نتاج حرّية بل بديلٌ عنها.

حتى النادل، حين جاء بالطلب الخطأ، قال له آدم بلطف:

“ليس هذا ما طلبت.”
فأجابه ببرود:
“كلها قهوة، أخي.”

ضحك آدم — ليس بسبب خطأ القهوة — بل لأنه أدرك أن الجملة تحمل خلاصة الحياة في النظام الأبوي:

لا تفرّق كثيرًا، كلها قهوة، كلها قرارات، كلها أوامر، كلها أسماء مختلفة لشيء واحد: الطاعة.

في دفتره كتب:

“الطاعة ليست سلوكًا بل أسلوب تفكير، حين تُولد داخلها لا تعود تراها.”

تذكّر صديقته ليلى الطبيبة اللامعة التي رفضوا نشر أبحاثها العلمية في المجلة الرسمية لأنها “تخدش صورة العائلة”.
لم يكن في البحث ما يهدّد الأمن العام — فقط دراسة عن الصحة الإنجابية —
لكن الكلمة “خدش” كانت كافية لتُفهم أن الأبوية لا تقبل أن تمسّها امرأة، حتى لو كانت تحمل شهادة دكتوراه.

وتذكّر سامي، صديقه الكاتب الذي حُذف مقاله من الصحيفة رغم أنه لم يتضمّن أي إساءة مباشرة.
كل ما فعله أنه تساءل عن دور أحد الزعماء في أزمة ما.
قال له رئيس التحرير:

“ليتك كنت أكثر حكمة، هناك رموز لا يجوز الاقتراب منها.”

أدرك آدم فجأةً أن المجتمع لا يصنع رموزه بالحب بل بالخوف.
الرمز لا يُحب لأنه عادل، بل لأنه يشبه الأب الغاضب الذي لا تجرؤ على مواجهته حتى لو خان.

ومع ذلك، لم تكن المشكلة فقط في النظام،
بل في الحبّ الذي نحمله له،
في الرغبة الغامضة بأن يبقى هناك من يقول لنا:

افعل، ولا تفعل.

نحن — كما يقول شرابي — لا نعيش فقط تحت سلطة قمعية،
بل نحبّها لأنها تعفينا من مسؤولية القرار.
نحتاج من يقول لنا ما هو الصواب، لأننا لم نتدرّب على أن نعرفه وحدنا.

في نهاية اليوم، جلس آدم من جديد إلى دفتره الأبيض.
كانت الكلمات تنزل منه لا كقرارات، بل كاعتراف:

“نحن لا نخاف من السلطة… نحن نخاف من أنفسنا إذا سقطت السلطة.”
“لأنك حين تُجبر على أن تقول ‘لا’ للمرة الأولى تكتشف أنك كنت صامتًا حتى عن أفكارك.”
“الحرية ليست أن ترفض القيد، بل أن تعترف أنك كنت تلبسه وأنت تظنّه زينة.”

وحين أغلق الدفتر لم يشعر براحة.
لم تتحرّر روحه فجأة، لم تنهَر الجدران.
لكنّه شعر بشيء آخر… أكثر صدقًا:
الشعور بالثقل.

لأن “الحرية”، حين تأتي بعد عمرٍ من الطاعة، لا تشبه الأجنحة،
بل تشبه الحِمل، وتشبه تلك اللحظة التي تقول فيها “لا” لأول مرة،
وتدرك أن الطريق إلى ذاتك لن يُعبَّد بالورود، بل بالأسئلة.

وهكذا مشى آدم إلى الغد، لا بوصفه محرّرًا، بل بوصفه مبتدئًا.
بدأ يسمّي الأشياء بأسمائها.
بدأ يختبر أفكاره كما يختبر جسده في مرآة.
بدأ يعيد تعلّم كلمة “لا” — ليس كثورة، بل كحرف نداء، كصوتٍ صغيرٍ يقول له:

“الآن تبدأ أن تكون أنت.”

الكاتب نضال الخليل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *