كان الإنسان ذات يوم يجلس في مقهى صغير، يراقب المارّة ويتبادل نظرات خاطفة مع غرباء لا يعرفهم. ثم جاء العالم الافتراضي، ذلك العالم الذي برغم اسمه لم يكن افتراضيًا قط، بل أصبح أكثر واقعية من الواقع نفسه. أصبح بإمكان المرء أن يصنع وجوهًا وآراءً وأقدارًا على مقاس الشاشة ليعيشها بشغف وقلق وريبة.
الهروب إلى الفضاء الرقمي
في سوريا، حيث الزمن يمضي بثقل الحصار والخوف والحنين، صار للهروب فضاء رقمي. هناك خلف الشاشات بنى السوريون عوالمهم البديلة بكل ما تحمله الكلمة من انتقام رقيق.
حين خلق الإنسان المرآة لم يكن يتخيل أن صورته فيها قد تكذب، أما اليوم ففي مرآة “فيسبوك” و”إنستغرام” تتعدد وجوه الإنسان:
-
وجه للحب
-
وجه للغضب
-
وجه ينتظر “إعجابًا” من شخص مجهول
في دراسة صادرة عن منظمة الأمم المتحدة (2022)، يُقدّر أن أكثر من 65% من السوريين داخل المناطق الحضرية يستخدمون وسائل التواصل الاجتماعي. رقم لا يقول شيئًا إلا حين نعلم أن معظم هؤلاء يعيشون في مساحات ضيقة محاصرة، لا شيء فيها يتحرك أسرع من المعلومة.
الحقيقة والزيف في الإعلام
في عالم افتراضي كهذا: لا أحد يموت حقًا، لا أحد يحب بصدق، ولا أحد يبقى كما هو.
في سوريا، تآكل الإعلام الرسمي، وصار الحدث يُكتب أولًا على “تويتر” قبل أن تسمح الجهات الرسمية بنشره. صار الهاشتاغ أقوى من العنوان الرئيس في الجريدة، حتى النكات السياسية وجدت جمهورها هناك.
في دراسة محلية أجريت بدمشق 2021، قال 70% من الشباب إنهم يثقون بالأخبار المتداولة عبر “واتساب” أكثر من النشرات التلفزيونية. لكن الحقيقة أن هذه الوسائل ليست أكثر صدقًا، بل هي حكاية أخرى: من يرويها يربح، ومن يسمعها يخسر.
“نحن نعيش داخل علبة من الوهم، نقرأ آراءنا كما لو كانت أفكار غيرنا.”
تأثير العالم الرقمي على السوريين
-
النخبة: تقرأ وتكتب لكنها تغرق في صدى ذاتها.
-
العامة: تلهو وتهرب، تصدّق ما تراه لأنه يمنحها لحظة انتصار صغيرة.
-
الشباب: يصنعون ثورات افتراضية صغيرة، يتركونها معلقة على الجدران الزرقاء قبل أن يذهبوا إلى نوم مضطرب.
دراسة نفسية أجرتها جامعة دمشق عام 2020 بين مستخدمي مواقع التواصل:
-
45% يعانون من صعوبات في التركيز
-
40% يعانون من القلق والتوتر
-
25% تظهر عليهم أعراض الإدمان الرقمي
يصبح الإنسان قلقًا لأنه يعرف أكثر مما ينبغي، يخاف لأنه يرى كل شيء، يحزن لأن فرحه صار يتوقف على “إعجاب” رقمي، ويشعر بالوحدة وسط ضجيج دائم.
الأزمة الأسرية والتعليمية
في دراسة عن الأسر السورية 2019:
-
40% من الأسر تشكو من تراجع التواصل اليومي
-
30% من المدارس تعاني من تشتت الانتباه بين الطلاب
صار كل بيت غرفة صامتة، وكل مدرسة بلا حضور حقيقي، وكل مؤسسة تحاول أن تفهم ما يجري… ولا تفهم.
“إن مأساة السوريين ليست في الدمار ولا الحرب فقط… بل في هذا الشعور العميق أن لا شيء حقيقي. كل شيء أصبح قابلاً للتبديل: القيم، الأصدقاء، الصور، الحب، وحتى الألم.”
مرآة مشروخة
إننا هنا في سوريا لا نعيش واقعًا بقدر ما نحاول التفاوض مع أوهامنا. العالم الافتراضي ليس مجرد مساحة رقمية، إنه مرآة… مشروخة. كل واحد منا يرى وجهه فيها، لكنه مكسور.
الكاتب نضال الخليل