حين يتعلّم الزمنُ الركضَ نحو عينيها للكاتب نضال الخليل

ها هو في زاويةٍ من زوايا الزمن، الملتفّ حول عنقه كأفعى مدرَّبة، يجلس الرجلُ الذي يفاوض عقارب الساعة كما يفاوض البدويُّ سرابَه.

يطلّ على المقهى من نافذةٍ لا يعرف إن كانت تُطلّ عليه هو أم على ارتباكه المرسل في الهواء مثل ورقةٍ رفضت السقوط.

ينتظر دوران العقارب بسرعة، كأن الزمن حصانٌ أعرج يجرّ قدميه على حصى النهار، وكأن عليه أن يصفع ظهره كي يعدو، كي يصل إلى لحظةٍ واحدةٍ يسعفه فيها القدر بلقاءٍ أول…

اللقاء الذي تصبح فيه الحياة هشّةً بما يكفي ليتنفّسها.

كان يراقب ساعة يده كما لو أنها تُخفي مؤامرة.
العقاربُ تتحرّك، نعم، لكنها تتحرّك ببطءٍ يشبه تباطؤ المذنب حين يخجل من إشعال السماء.

كلُّ دقيقةٍ تمرّ لا تمرّ، كلُّ ثانيةٍ تتعثّر بثانية تليها، كأن الزمن فقد شهيته للركض، تمامًا كما فقد هو شهيته لليقين.

يقول في سرّه:

  • لتسرعوا… كي أصل إليها قبل أن ينقرض اسمي.

هو يعرف أن اللقاء الأول ليس لقاءً في الحقيقة، إنه امتحانٌ في الكثافة:

  • كثافة الصوت والجلوس، وكيف يرفع الكلمة من فمِه دون أن تنكسر، وكيف يخفي الذعر الذي يركض في داخله مثل غزالٍ لُطِم فجأة.

حين تدخل هي — سيقول لها كل شيء:
سيحدّثها عن طفولته المحشورة في صندوقٍ خشبيّ من الذاكرة، عن المدن التي طردته، عن الليل الذي نام في جيبه كقطّ صغير.

سيخبرها أنه خاف الحبّ مرارًا، لأن الحبَّ كائنٌ يعضّ يده التي تربّيه.
سيقول لها إن روحه كانت مائلةً مثل مقعدٍ مهترئ، وإن وجودها يعيد تسوية الميلان.

سيقول أشياء كثيرة كثيرة… حتى تلك الأشياء التي خجلَ من الاعتراف بها لنفسه.

لكنها لم تصل بعد، ولذلك يظلُّ الزمن واقفًا على عكّازيه، يجرّ خطاه على البلاط.
يظلُّ الرجل يراقب الساعة، كمن يراقب جرحَه وهو يلتئم ببطءٍ فادح.
يظلُّ الكلام مختبئًا في حلقه، ينتظرها.

يظلُّ العالم معلّقًا — بين ثانيةٍ بطيئة وفتاةٍ ستدخل — لتعيد تدوير وجوده من جديد.

 

الكاتب نضال الخليل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *