تقدّم رواية «حفيدة جوردن باشا» للأديبة تسنيم طه نموذجًا سرديًا لافتًا يمزج بين التخييل التاريخي والتحليل النفسي، لتغدو الحكاية الشخصية مدخلًا لفهم أعمق لصراعات الهوية في عالم ما بعد الاستعمار.
فالرواية لا تكتفي باستحضار وقائع الماضي، بل تنفذ إلى جوهر الأسئلة الكبرى: الانتماء، الذاكرة، والهوية، وكيف يمكن للإنسان أن يتعامل مع إرثٍ لم يكن له فيه خيار.
تدور الرواية حول شخصية ستّ النفور، التي تمثّل جيلًا كاملًا من التائهين بين الشرق والغرب، بين ميراثٍ شرقيّ مثقل بالعادات، وروحٍ غربية متحررة. ومن خلال هذه الشخصية، تضعنا الكاتبة أمام صراع نفسي حادّ بين الجسد والروح، وبين ثقل التاريخ ورغبة الفرد في الانعتاق من الماضي.
ليست البطلة مجرد كيان سردي، بل رمز إنساني للصراع بين الأصالة والانفتاح، وبين التقاليد وإغواء الحداثة. ويزداد هذا الصراع عمقًا عبر شخصيات داعمة تؤدي أدوارًا رمزية واضحة، من بينها:
-
زكريا: الذي يمثّل الوجدان الإنساني، ويحمل مرارة الانتماء السوداني بكل تشظياته.
-
القرشي: رمز الصبر والتضحية، وصورة الإنسان الذي يدفع ثمن التاريخ بصمت.
-
آن موريس: تجسيد للانبهار الغربي بالشرق، بما يحمله من فضول وسوء فهم وتاريخ ملتبس.
على المستوى التقني، تعتمد الرواية بناءً سرديًا طبقيًا، إذ توظّف الكاتبة تقنية «الرواية داخل الرواية»؛ فنحن أمام نصٍّ يولد من رحمه عدد من الروايات المتداخلة، بما يسمح بتقاطع الأزمنة والأمكنة، ويحوّل السرد إلى حوار متعدد الأصوات. هذا التداخل يمنح القارئ إحساسًا سينمائيًا بالانتقال بين المشاهد، لكنه انتقال مشبع بنكهة وطنية تدور حول الإرث والهوية والذاكرة الجمعية.
أما اللغة، فجاءت متوازنة بين الشعرية والصرامة السردية، محمّلة بوصفٍ دقيق يقود القارئ إلى أعماق الصراع النفسي للشخصيات، دون الوقوع في خطابية مباشرة أو استعراض لغوي.
في هذا السياق، لا تقدّم الرواية قراءة للماضي بوصفه زمنًا منقضيًا، بل بوصفه قوة فاعلة في تشكيل الوعي الإنساني. إنها رواية عن الإنسان الذي يعيد بناء ذاته رغم أعباء التاريخ، وعن الذاكرة حين تتحول من عبءٍ صامت إلى وعيٍ منتج.
وفي الختام، يمكن القول إن «حفيدة جوردن باشا» نصٌّ يُذكّرنا بأن الذاكرة، حين تُقرأ بوعي، تتحوّل من نقطة ضعف إلى مصدر قوة، ومن صمتٍ ثقيل إلى عبارات حيّة نابضة بالمعنى.
رواية تضعنا أمام سؤالٍ جوهري لا مهرب منه:
كيف نصنع هويتنا، ونحن نحمل إرث التاريخ بأيدينا؟
الكاتبة أميرة عبدالعظيم