حيوانة الإنسان للكاتب ممدوح عدوان ونقد قناع الحضارة الكاتب نضال الخليل

 عن الإنسان حين لا يحتمل صورته

هل يمكن للإنسان أن يتأمل صورته في المرآة دون أن يتنكّر لها؟
وهل تكفي الحضارة كقناع لإخفاء فزع الكائن من ذاته؟

في كتابه “حيوانة الإنسان” لا يقدّم ممدوح عدوان إجابات بقدر ما يخلخل البديهيات ويفتح الباب واسعًا أمام الأسئلة التي تحرّض على مساءلة الإنسان — لا بصفته كائنًا عاقلًا بل بوصفه كائنًا مفترسًا لم يخلع أنيابه، بل زيّنها بالمفردات.

 عن شاعر لم يرتكب الحياد

وُلد ممدوح عدوان في ريف مصياف عام 1941 في بيئة مشحونة بالتحولات الاجتماعية والسياسية، ما لبث أن انخرط في عالم الأدب ملتزمًا لا بالخطابات، بل بالانحياز لما هو مكشوف من هشاشة الإنسان وما هو مغيّب من توحّشه المقنّع.

تنوّعت كتاباته بين الشعر والمسرح والترجمة، لكنه ظلّ في كل ما كتب وفيًا لفكرته الأساسية: أن وظيفة الأدب ليست الإقناع بل الزلزلة، وليست الترف الفكري بل المواجهة.

وكتاب «حيوانة الإنسان» لا يخرج عن هذا السياق، بل يكثّفه إلى أقصاه في نص هجومي لا يخضع لأعراف الكتابة التأملية، بل يتبنى خطابًا مضادًا لبلاغة النفاق التي تحرس مفردة “الإنسان”.

 تفكيك القناع — الإنسان بوصفه مفعولًا لغرائزه

منذ الصفحات الأولى، يسحبنا عدوان من أوهامنا الجماعية عن “التقدّم” ويضعنا في مواجهة حقيقة أوليّة: أن الإنسان رغم زعم التمدّن ما زال يصدر عن غريزة البقاء، وأن أدواته في القتل لم تنتفِ بل تهذّبت.

فـ”القتل المؤسّس” صار يُنجز باسم النظام والتفوق والعقلانية والدولة.
هنا لا يُعلن عدوان عداءه للحضارة، بل يفضح هشاشتها أمام توحشٍ أعمق وأكثر تنظيمًا.

في هذه المقاربة لا يبدو عدوان معنًى بنقد السياسة وحدها، بل بما هو أنثروبولوجي وأخلاقي في آن: بنية الإنسان في علاقتها بالعدوان وتحايله المستمر على وحشيته تحت غطاءات القانون والأخلاق والعقيدة.

 الكتابة بوصفها مقاومة للطمأنينة

لغة الكتاب ليست علمية ولا وظيفية، ولا تزعم الموضوعية.
إنها لغة تُخاطب القارئ لا لتقنعه بل لتستفزه وتضعه في موقع المساءلة.
لذلك فهي مشبعة بالإيقاع الشعري، بالعبارة اللاذعة، وبالتكثيف الذي لا يراعي شروط التلقي بل يفرض إيقاعه الخاص.

تُحيلنا لغة عدوان إلى نموذج الكتابة-الصرخة: نصّ لا يُطمئن بل يُربك، لا يُنظّر بل يُجرّح.
وهكذا يذكّرنا بأن الأدب في جوهره فعل تشويش على التواطؤ مع ما هو سائد ومُصالَح عليه.

 بين الإنسان والجلّاد — تأمّل في البنية المزدوجة

ما ينجزه عدوان يتجاوز توصيف “الإنسان ككائن عدواني”، إلى مساءلة الدور المزدوج الذي يؤدّيه:
ضحية وجلاّد — شهيد وقاتل — شاعر وذئب.

حتى الضحية، في نظره، تشارك أحيانًا في طقوس تبرير جلادها وإعادة إنتاج رموزه وخطابه.
هذا التصوّر يُحيل إلى قراءة وجودية عميقة في معنى السلطة — لا بوصفها هرمًا سياسيًا فقط، بل تكوينًا متجذّرًا في البنية النفسية والخيال الأخلاقي والسرديات الكبرى.

لذلك تبدو مقولات عدوان جذرية، بل صادمة، في سعيها إلى تفكيك وهم “التحضّر”.

 الأدب ككشف دائم للعار الإنساني

«حيوانة الإنسان» ليس كتابًا عن الإنسان فقط، بل عن خداع الإنسان لذاته.
ليس تأمّلاً، بل إنذارًا لا يطلب القبول بل يستدعي المقاومة.

وهو بذلك يستعيد وظيفة الأدب في معناها الأعمق: أن يكون لحظة افتضاح، لحظة مواجهة.
كتب ممدوح عدوان هذا النص لا كناقد اجتماعي بل ككائن مأخوذ بفجيعة النوع الذي ينتمي إليه.

وهنا تكمن جذرية الكتاب:
أنه لا ينحاز إلى الأمل المصنوع، بل يراهن على المعرفة بوصفها اشتباكًا دائمًا مع ما نظنه مُسلّمات.

في زمنٍ يتقن فيه الإنسان تبرير القتل وتجميل الدمار، يأتي هذا الكتاب ليقول ما لا يُقال،
ويصمت حيث يجب أن يُقال:

لقد خسرنا المعركة لا مع الطبيعة، بل مع أنفسنا.

الكاتب نضال الخليل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *