حين نغوصُ في باطنِ النصوصِ كأنَّنا نحفر في أرضٍ زاخرةٍ بالأسرار،
نجدُ صوتَ سلمى الخضراء الجيوسي نهجًا لا تكتفي بقراءةِ الظاهر،
بل تشرعُ في تتبُّعِ أنفاسِ الكلماتِ بين الحقباتِ والأمكنة.
إنَّ نقدها أشبهُ بنسيجٍ تُنسَّجُ خيوطه من التاريخِ والثقافةِ والوجود.
الشعرُ الحديث — حوارُ الذواتِ مع الذاتِ التاريخية
لم يرَ الشعرُ عند الجيوسي مجرَّدَ انعكاسٍ لنبضاتِ واقعٍ عابر،
بل هو لقاءٌ بين الحلمِ والذاكرةِ، وصرخةُ هويةٍ متجددة.
في تتبعها لمسيرةِ الشعر منذ «النهضة» حتى «سبعينيات القرن العشرين»،
تُطلق سراحَ القصيدةِ كي تنفتح على نداءاتٍ داخليةٍ دفينةٍ،
فتتماهى أنفاسُ الشاعرِ مع أنفاسِ الأمكنةِ التي عبرها،
فتطفو النصوصُ على سطحِ الزمنِ كمرآةٍ تراها الذاتُ فيها قبل أن تراها الأجيال.
مختاراتُ الشعر — فسيفساءُ الأصواتِ وتعددُ الملامح
في مجموعتها التي ضمّت ٩٣ صوتًا شعريًّا،
لا تقفُ الجيوسي عند حدِّ النصوصِ وجمعِها،
بل تصوغُ لكلِّ نصٍّ إطارهُ التاريخي والثقافي،
كما لو كانت تضعه في قاعةِ عرضٍ عتيقةٍ،
فتراه يتنفسُ ببطءٍ ويبوحُ بأسراره.
هنا يقفُ القارئُ أمام فسيفساءِ الوجوهِ والأزمنة،
بين قصيدةٍ تنتفضُ بشغفٍ، وشعرٍ يهمسُ بشواغلَ لا تنتهي.
الأدبُ الفلسطيني — كتابةُ المقاومةِ وبناءُ الذاكرة
عند الجيوسي يتحوّلُ الأدبُ الفلسطيني إلى فعلٍ مقاومٍ،
لا يكتفي بنعي الحنينِ، بل يتخذ من الحرفِ سلاحًا
يحفرُ به جدارَ النسيان.
في مختاراتها لأعمالِ ١٠٣ كاتبٍ فلسطينيّ
يسمعُ القارئُ زمجرةَ الألمِ والأملِ معًا،
فيرى الصورةَ الراسخةَ لشعبٍ يُدركُ أنَّ الكتابةَ طوقُ نجاةٍ وحصنٌ لا ينهار.
التراثُ الأندلسي — زخمُ اللقاءِ بين الشرق والغرب
داخل الفصول الموسوعية عن الأندلسِ الإسلامية،
تعبقُ بين الأسطرِ رائحةُ الكتبِ والمكتباتِ،
والأكمةِ التي كانَ يلتقي فيها الفيلسوفُ بالشاعرِ،
والعالِمُ بالفنان.
تأخذنا الجيوسي في رحلةٍ عبر الزمانِ والمكان،
فتعلِّمُنا كيفَ أنّ صدى الأندلسِ ظلَّ ينبضُ في وجدانِ الغرب،
وأنَّ حضارةً دُفنت تحتَ أطلالِ القصور لن تموتَ
ما دامَ من يكتبُ عنها.
المسرحُ الحديث — فضاءُ التساؤلِ والتحدّي
من خلال تعاونٍ معمّقٍ مع روجر آلن،
ترى الجيوسي المسرحَ العربي مساحةً حيةً للأسئلةِ الكبرى:
عن السلطةِ، والحريةِ، والوجود.
ليست خشبةُ المسرح عندها مجردَ إطار،
بل ساحةٌ يلتقي فيها الجمهورُ والنصُّ والطريقة
لتفجيرِ وعيٍ جماعيٍّ،
فتتحوّلُ الشخصياتُ على الصفائحِ الخشبية إلى أصداءٍ
تعيدُ تشكيلَ الذاتِ الجمعية.
بروتا — ترجمةٌ تتجاوزُ حدودَ الكلمات
أطلقت الجيوسي عام ١٩٨٠ مشروعَ «بروتا» لترجمةِ الأدبِ العربي إلى الإنجليزية،
وكأنه جسرٌ مُضاءٌ يمتدُّ من صفحاتِ الديوانِ العربيِّ إلى رفوفِ المكتباتِ الغربية.
ليس الهدفُ مجردَ نقلِ الكلماتِ،
بل توصيلُ النبضِ الثقافيّ كي لا يظلَّ القارئُ الغربيُّ
يغرقُ في الانطباعاتِ النمطيةِ عن عالمٍ لم يعرفه إلا من خلفاءِ الصور.
في كلِّ رحلاتها النقدية تصنعُ سلمى الخضراء الجيوسي نصوصَنا من جديد،
كأنّها تلهثُ وراءَ ذاكرتِنا لتعيدَ لنا أمجادَها المحفوفةِ بالألمِ والجمال.
نقدُها إنسانيٌّ، متسامحٌ مع الأسئلةِ الكبرى، صارخٌ في وجوهِ الثوابت،
يهمسُ لنا دومًا:
هذه الكلماتُ حيّةٌ لا تموتُ ما دامَ من يقرأها.
الكاتب نضال الخليل