سليم بركات – الكاتب الذي خاف أن يصير واضحًا للكاتب نضال الخليل

حين تصبح الرواية تمرينًا في النسيان،
واللغة سردًا مستحيلًا لذاكرةٍ تُعيد اختراع نفسها في كل جملة.

الرواية حين تصبح الذاكرة مكانًا قابلاً للحرق

لا يدخل القارئ روايات سليم بركات كما يدخل حكايةً ذات بدايةٍ ونهاية،
بل كما يدخل أنقاض بيتٍ لا يُعرف من سكنه ولا متى انهار.

في هذا الفضاء لا يتقدّم الزمن بل يلتفّ على نفسه.
الرواية عنده ليست شكلًا أدبيًّا بل مواجهة مفتوحة مع اللغة والوجود والهوية حين تتفكك وتفقد ملامحها.

في عمله الروائي الأول «فقهاء الظلام» (1985) يقترب من العمى كفلسفة لا كعجز بصري
العميان يرون أكثر من المبصرين لأنهم تحرّروا من “وهم الضوء”.
الإدراك ليس ما يُرى، بل ما نخشى أن نراه.

ثمّ تأتي «الريش» الرواية التي تكاد تُكتب من تحت الماء؛
هناك تتداعى الصور والذكريات والطفولة والغربة في نسيج لغويّ حالم متشظٍ، أقرب إلى نشوة محمومة منها إلى حكاية تُروى.

الشخصيات لا تُرسم بملامح بل بأشباح.
الطفل الغريب في الرواية ليس شخصية بل استعارة للكاتب وهو يحاول أن يكتب ذاكرةً لا يثق بها.

ثلاثية كرديّة تنكسر فيها الجغرافيا على رؤوس اللغة

في «المنجّمون» و**«الذئب يراوغني»** و**«هاته عيناك أيّها الجميل»**
لا يُقدّم الكرد بوصفهم أبطالًا تراجيديين في سردية قومية،
بل كأنهم كائنات معلّقة في الفراغ – أبناء تاريخٍ لم يُسجّل لهم.

المنجّم في هذه الروايات لا يتنبّأ، بل يُخطئ عمدًا.
التاريخ يسخر من نفسه، والمصير يتكوّن من أخطاء نحوية وتهجئات طفولية.

«كهوف هايدرا» – الحافة التي تبتلع المعنى

تأخذ «كهوف هايدرا» هذا اللعب بالهوية إلى ذروته.
الرواية ليست فضاء مكانيًّا بل داخليًّا.
الهاوية هنا لا تُخيف، بل تُغوي.

البطل ليس من لحم ودم، بل من شذرات لغة، من جملٍ قيلت ثم نُسيت.

أما في «سِفر السراب» فتتحوّل الرواية إلى تعويذة تحاول أن تُلغي نفسها.
هناك خفوت لغويّ كأن الكاتب يُعتذر عن وجوده.
السرد لا يتقدّم، بل ينسحب.
الحبكة تتلاشى أمام صمتٍ أكثر تعبيرًا من الكلمات.

ينهض بركات هنا بوصفه «الروائي المُنسحب» الذي يكتب لا ليقول، بل ليمحو ما كُتب.

شخصياته أطياف لا تُقبّلها الشمس

لا أحد في رواياته يُشبه الآخر،
ولا أحد مختلفٌ تمامًا عن الآخر.
لا أسماء متكررة، ولا وجوه محفوظة.

جميعهم أبناء اللغة لا أبناء الواقع.
جميعهم مثل أشجار في منفى طويل، لا ينتمون إلى حكاية بل إلى انكسار الحكاية.

الشخصيات عند سليم بركات تُكتب كي تُنسى،
ليس لأن الكاتب لا يريدها،
بل لأنه يريد للقارئ أن يعبر فوقها نحو شيءٍ أعمق
نحو الإحساس بأن لا أحد يعرف أحدًا في هذا العالم، حتى الكاتب نفسه.

الرواية بوصفها جرحًا في جسد النوع الأدبي

لا يكتب بركات رواية بالشكل الذي نعرفه:
لا تسلسل، لا عقدة، لا نهاية.

كل شيء يبدأ من منتصفٍ مجهول وينتهي بصمت.
الرواية عنده لا تُحكى، بل تُراقَب وهي تُحتضر.

لا تُقرأ بحثًا عن حبكة، بل عن أثر ما قبل اللغة.
وهكذا تُصبح الجملة بحدّ ذاتها ساحة قتال.

يكتب ليُخالف الذوق، ليكسر الصورة.
في كل سطرٍ عنده محاولة لهدم ما يُحبّه القارئ عادة،
لأن الجمال كذبة، والوضوح خيانة، وسليم بركات “تُكرههم اللغة على قول ما لا يريدون”.

ما لا يُقال – الكاتب الذي يكتب ليُخفي

في كل رواية، في كل مشهد، يخبرك بركات بشيءٍ واحد:
أنه لا يثق بالكلمات.

ولهذا يُكثِر من استخدامها.
اللغة ليست وسيلةً عنده بل خصمًا لا يُهزَم.
الرواية ليست منتجًا، بل تجربة في فقدان السيطرة.

سليم بركات لا يريد أن يُفهم،
بل أن يُشعَر به.
لا يُعلّم، بل يُربك.
لا يُظهر، بل يُخفي.

وهكذا يبقى الكاتب الذي خاف أن يصير واضحًا.

الكاتب نضال الخليل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *