سوريا بين الانكسار والوعي – رحلة الهوية والمقاومة للكاتب نضال الخليل

سوريا ليست مجرد مساحة جغرافية أو تاريخ متراكم،
بل هي تجربة تاريخية وفكرية يعيشها الفرد السوري
في سياقٍ مزدوج:
سياق السياسة وسياق الثقافة؛
حيث يتداخل الواقع الاجتماعي بالوعي النفسي،
والفقدان بالوجود،
والحياة بالخيال.

هذا التداخل يجعل من صعوبة الفصل
بين الثقافة والسياسة،
بين الأدب والسلطة،
أمرًا جوهريًا لفهم العمق السوري الراهن.

الفرد السوري اليوم يعيش زمنًا مزدوجًا:
زمن الألم المستمر،
وزمن التأمل الواعي في الذات والمجتمع.
هذه الثنائية ليست صدفة،
بل نتيجة تراكمية للأحداث التاريخية والسياسية التي شهدتها البلاد،
حيث تتقاطع القرارات السياسية مع الحياة اليومية،
وتعيد تشكيل تصور الفرد عن ذاته وهويته.

الأدب هنا لا يكون مجرد خطاب جمالي،
بل ممارسة نقدية تسعى إلى كشف مكنونات السلطة،
وإعادة قراءة التاريخ الاجتماعي للفرد والجماعة.

الأدب السوري المعاصر—
سواء كان شعرًا أو روايةً أو مذكراتٍ يومية—
يُظهر بوضوح الانكسار النفسي والاجتماعي للفرد،
لكنه في الوقت نفسه
يمثّل أداة رمزية للمقاومة.

النصوص الأدبية تكشف عن الصراع المستمر
بين الذات والآخر،
بين الهامش والمركز،
بين الغائب والحاضر،
وتعيد إنتاج فهم العلاقات بين القوة والوعي.

في هذا السياق يصبح النقد الأدبي
ممارسة يومية،
وسيلة لفهم كيفية إنتاج السلطة للهيمنة
على الثقافة والهوية.

العزلة النفسية والاجتماعية التي يعيشها الفرد السوري
ليست مجرد فقدان للانتماء أو انعزال اجتماعي،
بل حالة وجودية تستدعي الوعي والمقاومة الداخلية.

الفرد الذي يكتب ويقرأ ويتأمل
هو الذي يبدأ بفهم التناقضات الكامنة في الواقع،
ويدرك أن كل خطاب رسمي
أو تجربة ثقافية
تحمل أبعاد الهيمنة
وتعيد إنتاجها في وعي الناس.

الثقافة هنا ليست إرثًا جامدًا،
بل سجلًا حيًا للصراع المستمر
بين القوة والفقد،
بين الانكسار والمقاومة.

السياسة ليست مجرد إدارة للسلطة،
بل صناعة للوعي،
لتشكيل الهوية الجمعية،
ولرسم حدود الممكن والممنوع،
الحرية والخوف.

كل خطاب رسمي،
كل إعلان سياسي،
يعيد إنتاج التوتر بين الذات والآخر،
ويؤثر في صياغة الوعي الاجتماعي والنفسي.

الفرد السوري في مواجهة ذلك
يمارس مقاومة يومية:
داخلية أحيانًا،
علنية أحيانًا،
عبر الكتابة والفعل الرمزي،
في محاولة للحفاظ على إنسانيته وسط الخراب.

في هذا الإطار يصبح الفرد السوري
شاهدًا وفاعلًا في الوقت نفسه،
متنقلًا بين الانكسار والفعل،
بين الصمت والكلام،
بين الخوف والشجاعة الداخلية.

الواقع السوري هنا
ليس مجرد سياق سياسي أو اجتماعي،
بل تجربة فلسفية وجودية،
حيث كل فعل،
كل كلمة،
كل لحظة صمت
تحمل أبعادًا نقدية لفهم السلطة
وإعادة بناء الهوية.

النقد والفكر في هذا السياق
ليس رفاهية فكرية،
بل ضرورة وجودية؛
ممارسة يومية للحفاظ على الحرية،
للوعي،
وللإنسانية.

الفرد السوري لا يكتفي بمراقبة الأحداث،
بل يقرأها ويعيد تفسيرها،
يعيد تشكيلها في وعيه،
محاولًا كشف الغياب في السرد الرسمي،
وفهم ما يُسكت عنه
وما يُمحى من ذاكرة الجماعة.

كل فعل صغير يصبح مقاومة،
وكل كلمة تصبح أداة
لاستعادة الهوية والكرامة
وسط عالم يضغط على الإنسان بلا هوادة.

في النهاية،
قراءة الواقع السوري بهذه الطريقة
تجعل من الضروري
إعادة النظر في مفاهيم السلطة والثقافة والأدب والهوية،
وتحويلها إلى أدوات للفهم النقدي
لتفكيك العلاقات بين القوة والوعي،
ولتأكيد أن الفعل الفردي والثقافي
هو جزء لا يتجزأ
من تجربة المقاومة والوعي
في سوريا اليوم.

الكاتب نضال الخليل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *