عبد الله مكسور: كاتب يمشي على حواف الذاكرة للكاتب نضال الخليل

عبد الله مكسور كاتب يمشي على حواف الذاكرة كمن يخشى أن يسقط في هاوية النسيان.
ثمة شيء خفي في أعمال عبد الله مكسور، شيء لا يمكن لمسُه مباشرة، يشبه رمادَ ذاكرةٍ احترقت في مكانٍ ما ولم تبقَ منها سوى صورٍ مشوشة على جدران الذهن.

لا يكتب مكسور روايات، بل يفتح جرحًا قديمًا في كل صفحة ويسأل القارئ – دون صوت – إن كان مستعدًا لأن يضع إصبعه عليه.
فبين السطر والسطر تتسرب رائحة حرب، ضحكة لاجئ، ارتعاشة معتقل، وصوت كاتبٍ يحاول أن يرمم ذاتًا تتهالك تحت وطأة التاريخ.

شتات الروح: الضحك بعيون مكسورة

شتات الروح ليست رواية، إنها ابتسامة ملتوية على فمٍ لا يتقن الضحك.
تشظّي الفلسطيني هنا لا يُروى بالبكاء، بل يُدلى به كسرٍّ ثقيل وسط ضحكة مربكة.

التهجير؟
تقرؤه كأنك تستمع إلى أغنية لم تكتمل، نصفها قصيدة والنصف الآخر رصيف مطار.

الشخصيات؟
كأنها هاربة من ألبوم صور تتنفس داخل صندوق ذاكرة لا يجرؤ أحد على فتحه.

الرواية لا تبكيك، بل تتركك في المنتصف — لا تضحك، لا تبكي، فقط تتذكر.

الطريق إلى غوانتانامو: حين يتحوّل السجن إلى استعارة

ليس هذا كتابًا عن السجن، بل عن تلك اللحظة السخيفة التي يتحوّل فيها السجن إلى فكرة قابلة للكتابة.
ليس المهم القيد، بل ما يفعله القيد باللغة.

في «الطريق إلى غوانتانامو» نسمع البيانو يعزف أسئلةً لا إجابات لها:
ما العدالة؟
من يستحق الرحمة؟
من يكتب التاريخ؟

السرد هنا لا يصف، بل يتورط، يضع القارئ في زنزانة ثم ينسى أن يعطيه مفتاحًا للخروج.
روايةٌ عن الغياب لا تُنهيها إلا وأنت ناقص ضلعًا أو ذاكرة.

ثلاثية الحرب: الضحية تُحدّق في المرآة

«أيام في بابا عمرو» و «عائد إلى حلب» و «طريق الآلام» ليست ثلاث روايات،
بل ثلاث ضربات على رأس الحقيقة.

لا توثّق الحرب بل تمضغها.
في بابا عمرو يكتب مكسور كمن يرسم بالألم،
وفي حلب تنهار المدينة كأنها مسرح والجمهور يصيح ولا أحد يسمع.
أما في «طريق الآلام» فكل لاجئ يتحوّل إلى نصّ حيّ يئنّ على صفحات باردة.

ليس المهم من أطلق الرصاصة، بل من بقي ليسردها.

2003: التاريخ حين يُصاب بالزهايمر

في «2003» هناك رجل عجوز يتحدّث وولد صغير يصغي،
لكن أحدًا لا يدوّن.
التاريخ هنا يمشي حافيًا، يرتجف من البرد ويختبئ خلف الذاكرة الشفهية.

عبد الله مكسور لا يعيد كتابة الماضي، بل يشكك فيه:
أيّ تاريخ نصدّق؟
الرسمي الذي يُعرض في نشرات الأخبار؟
أم ذاك الذي يخرج من فم جدٍّ عند منتصف الليل؟

الرواية هنا مرآة معطوبة تعكس وجوهًا لا نعرفها، وربما لا نرغب في معرفتها أصلًا.

أبناء البحر: السيرة كاعتراف مؤجّل

يقرّر مكسور أن الرواية لا تكفي.
يضعها جانبًا ويمسك دفتر اليوميات.

«أبناء البحر» ليست سردًا بل تنفّسٌ كتابيّ.
كل جملة هنا تشبه تنهيدة سجين أو همهمة لاجئ فقد صوته.

اللغة تخلع ثيابها الرسمية وتجلس على الأرض، تتأمل العالم من فتحة نافذة قطار.
ليس ثمة حبكة، لا عقدة، فقط الكاتب يحاول أن يقول لنفسه:

“أنا هنا، أنا أكتب كي لا أنتهي.”

رواية بلا خاتمة: الوحدة كجنس أدبي

هل كتب عبد الله مكسور روايته النهائية؟
لا أحد يعرف، وربما هو نفسه لا يرغب في المعرفة.

لأن كل كتاب يكتبه يبدو وكأنه يضعنا أمام سؤال واحد:

“ماذا تبقّى من الإنسان حين يأكله الحدث؟”

رواياته ليست وثائق بل مرايا مشروخة تحاول أن ترى نفسك فيها، لكن الوجه يتشوه والملامح تُمسخ.
هنا تنهار اللغة تحت صخرة الواقع، ثم تنهض أكثر جمالًا – أكثر خيبةً – أكثر تشظّيًا.

الرقص على الحافة

لا تقرأ عبد الله مكسور بحثًا عن الحقيقة، فالحقيقة مملة.
اقرأه لأنك تحب أن تمشي على الحافة، لأنك تؤمن أن الكتابة – أحيانًا – آخر ما يتبقّى لنا بعد أن ينهار كل شيء.

رواياته ليست ملجأ، بل نافذة تطلّ على رماد مدينة، على جسدٍ معتقل، على طفلٍ يسأل ولا أحد يجيبه.
لا ندري إن كنا نضحك أو نبكي، وربما نفعل الأمرين،
بينما تمضي الرواية مثل ظلٍّ خفيفٍ يرقص على خرائب الروح.

الكاتب نضال الخليل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *