كان المطر في غزة ينزل غاضبًا،
لا ليروي الأرض،
بل ليوقظها من نومٍ ثقيل.
يطرق سقف الخيمة بقبضته
كأنه يوبّخها:
— أما زلتِ تقومين بدور المنزل؟
الخيمة تنصت للصوت،
لكنها تعرف جيدًا
أنها ليست منزلًا،
بل تجعيدة
في وجه كلّ من قرّر
أن الوطن يمكن طيّه
ووضعه في جيب قاطع حدود.
الأطفال في غزة
لا يخافون المطر؛
إنّهم خبراء
في التعامل مع الأشياء
التي لا تُقنع أحدًا
بأنها رحمة.
يصنعون من طينه قوارب،
لأن البحر هناك…
وهناك…
وهنا لا شيء
سوى الخيمة والطين.
يضحكون وهم يركضون خلف المطر
كمن يطارد فكرةً صعبة
لا يريد أن يتوقف
عن التفكير فيها.
النساء
تُخرج وجوههن للسماء،
تطلب من المطر
أن يغسل تلك الندبة
التي خلفها القصف،
أو ذلك الصوت
الذي بقي في الأذن
رغم أن صاحبه
لم يعد.
المطر لا يفهم الدعاء،
لكنه يتظاهر؛
يُبلّل الوجوه
كما يفعل الشعر
حين يختلط بالدمع.
أما الرجال،
فكانوا واقفين
بين المطر والخيمة والطين،
يلتقطون قطرات الماء
كمن يفتّش عن معنى للحياة
في نهاية كتابٍ
لن يكتبه أحد.
يتقاسمون الطين
كأنهم يتقاسمون الخبز،
يتعانقون مع الخيمة
إذا بدأت تغرق،
يلعنون المطر
لأنهم يحبونه،
ويسألون أنفسهم:
— ماذا يفعل المطر
في مدينةٍ لا تحبّ النوم؟
المطر في غزة
لا يحب الناس،
لكنه يأتي إليهم كل عام
كضيفٍ بلا دعوة.
يفتح بوابات السماء،
لا ليمنحهم نعمة،
بل ليذكّرهم
أن السماء تعرفهم جيدًا
حتى لو تناستهم الأرض.
الكاتب نضال الخليل