غزّة: خريطة اليُتم والانتظار للكاتب نضال الخليل

في مكانٍ صار ليلُه مفتوحًا على نفسه،
تصير الأزقّةُ سجلاتٍ لقصصٍ لا تُروى،
وتتحوّل الأصواتُ إلى علاماتٍ تُعلّم الأطفال
كيف يرمون سؤالَهم في صندوقٍ صغير لا يفتح.

الأمّ هناك ليست مجرّد حاضنةٍ للأجساد،
بل خريطةٌ تُعلّم الصغارَ لغةَ البقاء—
كيف تُقاس الكرامةُ بكمّ قطعةِ خبزٍ تُوزَّع،
وكيف يُوزَن الحلمُ بأوقاتِ انتظارٍ لا تنتهي.

الوطن هنا ليس مكانًا تُعرَف فيه المنازل،
بل تجربةُ فِقدٍ متكرّرٍ
يجعل من الذاكرة مثوى للحزن،
ومن الصمت مدرسةً لتلقين الخوف.

اليُتم الحقيقيّ لا يُقاس بفقدان الجسد وحده،
بل بانقطاعِ حضورٍ يوشم الوجودَ بمعناه؛
طفلٌ يعيش بين الناس
لكن بلا مرجعيّةٍ تفسّر له العالم،
فتصير حياتُه خريطةً منكسرة
لا تعبر عن اتجاهٍ
سوى اتجاه النداء.

وفي تلك اللحظة
يُصبح السؤال أخطرَ من الإجابة:
أن تسأل…
يعني أن تحتفظ بفضاءٍ داخليٍّ للمقاومة،
وأن تحبّ بمعنى
يقاوم فكرة أن تكون
مجرّد رقمٍ في لائحة النسيان.

ثم تأتي اللحظات الصغيرة
التي تُقاوِم العبث:

امرأةٌ تُغنّي لطفلٍ فوق ركام،
جارٌ يمدّ حبّة تمرٍ بيدٍ مرتعشة،
فصلٌ يُفتح في زاوية
لتعليم الحروف على وقع انفجار.

تلك الأفعال
لا تُغيّر الخراب الكبير،
لكنها تخلق طقوسًا إنسانية
تمنع اليُتم من أن يصبح قاعدة.

الفلسفة هنا
ليست ترفًا عن الواقع،
بل سؤالًا عمليًا:

— من يعيد للمدينة لغتها؟
— ومن يصنع من الندب سردًا
يعلّم الصغار أن يسألوا،
أن يطلبوا،
وألا يخشَوا؟

إن لم نُنسق حضورًا
يعيد بناء تلك الخريطة اليومية،
سنورّث اليُتم كاسمٍ بلا معنى،
وسنظلّ ندفن مأتمًا بعد مأتم
من دون أن نعلم
أيُّ قبرٍ سيحفظ
قصّة الإنسان.

الكاتب نضال الخليل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *