لا تأتي الكلمات إلى أصابعي بوصفها حروفًا، لكن كمواد تُختبر… تتكدس فوق الجلد، تترك أثرها على العصب، وتطلب شكلاً.
حين أمد يديّ لا أكتب فقط، ينهض جدار، ليس في المكان لكن في اللغة التي أخطأت طريقها إلى الضوء.
الورق يبدأ صعوده، يلتصق بالجدران، يتقوّس ويتحول إلى سقف، أكون تحته لا واقفًا ولا جالسًا، لكن في هيئة سؤالٍ فقد علامته.
السقف لا يهبط دفعة واحدة، يختبر المسافة، ينزل مقدار نفس ثم يتوقف… المكان لا يضيق، لكنه يتعلم كيف يكون قبرًا بلا استعجال.
في هذا الفراغ، أكتب رقمًا… رقمًا واحدًا، أضعه في أول السطر كما يُوضع القيد الأول.
الرقم منفرد، بلا جوار، بلا حساب، هو المنفردة نفسها:
تقاسمنا الجلد حين صار الجلد جدارًا إضافيًا،
وتقاسمنا التعرق حين صار العرق تقويمًا للوقت،
والصراخ حين كان الصراخ تمرينًا على البقاء.
لم يكن الرقم عددًا، لكنه مدة.
لم يكن إحصاءً، لكنه عقوبة.
أحدق فيه، فيحدق فيّ، بيننا تاريخ لا يحتاج لغة… الأرقام حين يطول عزلها تقسو.
هذا الرقم لا يقبل الكسر، ولا يثق بالمجاز، حاولت أن أمد له حرفًا، أن أجره إلى جملة كنافذة صغيرة، فارتد عليّ، ركلني، لا بعنف لكن بشرعية، إلى حافة الخرس.
هناك أفهم: أن الصمت في المنفردة ليس غياب الصوت بل فائضه.
الكلمات التي شيدت الجدران تعود مادة صلبة…
الورق لم يعد سقفًا بل محضرًا،
والمكان وقد اكتمل انغلاقه، صار قبرًا مؤجّلًا يُفتح ويُغلق مع التنفس.
أجلس داخل ما كتبت.
أصابعي لم تعد تطلب لغة…
الرقم ما يزال في أول السطر، قائمًا، مكتفيًا بذاته، كحارس بلا وجه، هو وحده يحصي الزمن ولا يحتاج إلى اعتراف.
في المنفردة لا يُعاقب الجسد الذي يُحبَس حقًا…
هو الكلام.الكاتب نضال الخليل