كتاب الظل الأخير للكاتب نضال الخليل

لم نكن نعرف إن كنا نخطئ أم نُصيب، وكان ذلك الجهل تحديدًا هو شكلنا الأصدق، فالأفعال التي تحتاج إلى يقين مسبق هي أفعال خائفة، أما ما فعلناه فقد خرج من الروح مباشرة، عارياً من الفتاوى، مجرّدًا من خرائط النجاة.

نقول: ليس حرامًا، ثم نعض على الكلمة كأنها قد تنكسر في الفم، فالحرام وُلد في اللغة، واللغة جاءت متأخرة دائمًا عن رعشة القلب.

الحبّ لم يكن قرارًا، بل استدعاء غامضًا لذاكرة أقدم من الذنب، كأن الروح حين لامست الأخرى تذكرت فجأة ظلها الذي تُرك طويلًا في تجاويف الغياب، مغلقًا عليه كاسمٍ لم يُنطق.

خوفًا من العقاب.

وهنا نؤمن… نؤمن بأن ما حدث لم يكن خروجًا على الله، بل دخولًا في منطقة لم تُسمَّ بعد.
الله، في هذا التصور المرتعش، لا يقف على بوابات الجسد ولا يحمل دفتر مخالفات، لكنه يعبرنا كما يعبر الضوء زجاجًا لا يدري أنه شفاف.

ثم يأتي الشك، لا كعدو لكن كظل إضافي يسأل:

  • وماذا لو كنتم قد سميتم الحاجة يدًا إلهية؟

  • وماذا لو كان الظل الذي عاد مجرد اختراع أخير كي لا تنهاروا تمامًا؟

نتراجع خطوة، لكننا لا نعود، فالروح حين تتحرك لا تعرف الرجوع الكامل، هي إما أن تواصل الارتباك،
أو تتحجر في الطمأنينة، ولا شيء أشد فتكًا من طمأنينة بلا أسئلة.

نحب، لا لأننا واثقون، لكن لأن الشك ضاق بنا، كان السؤال أضيق من أجسادنا، فانفلتنا منه إلى الحب،
كما ينفلت الجريح من ضماده ليرى إن كان النزف ما يزال حيًّا.

نقول بثقة متعبة:

  • الله معنا، لأننا صرنا أكثر حياة، أكثر هشاشة، وأقل قدرة على الادّعاء، فالله لا يسكن في الصلابة، بل في هذا الانكسار الذي لا يطلب غفرانًا ولا يملك ترف التبرير.

لكن الريبة لا تصمت، تهمس من عمق العظم:

  • ومن قال إن الله ملزم بأن يكون معكم؟

  • من قال إن كل دفء علامة رضا، وإن كل استعادة ظل ليست مجرد حيلة للبقاء؟

نرتبك، والارتباك يصبح شكلًا من أشكال الصلاة التي لم تُكتب في أي كتاب.
نمد أيدينا إلى الغياب، ونشعر—أو نتوهّم—أن يدًا سبقتنا إلى هناك، لم تمسكنا بقوة، بل تركت فينا أثرًا خفيفًا،
كندبةٍ لا تؤلم لكنها لا تختفي.

نعود ونقول:

  • ما نفعله ليس خطأ، لأن الخطأ يفترض معرفة مسبقة بالصواب، ونحن لم نعرف.
    نحن فقط عشنا، والعيش في بعض حالاته أكثر التباسًا من أن يُحاكم.

ثم نعترف بلا بطولة: ربما أخطأنا… ربّما سمّينا الطريق خلاصًا لأن الهاوية كانت مخيفة.
لكن حتى الخطأ حين يُرتكب بروح حية، قد يكون شكلاً من أشكال الحقيقة المؤجلة.

 

هكذا نقف بين يد نؤمن بها وارتعاشةٍ لا تكف عن السؤال، لا هذا اليقين ينقذنا كاملين، ولا هذا الشك يُسقطنا.
وإذا كان الله حاضرًا هنا—فهو حاضر بلا ضمانات، بلا توقيع أسفل أفعالنا، حاضر كاحتمال مفتوح، لا كحكمٍ نهائي.

نواصل، لا لأننا فهمنا، بل لأن التوقف كان سيعني أننا أغلقنا السؤال، ولا شيء أخطر على الروح من سؤال أُغلق وهو ما يزال يتنفس.

الكاتب نضال الخليل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *