في قلب بيروت القديمة، حيث تتعانق رائحة التاريخ مع صدى الحروب، وحيث لا تزال الحجارة تحفظ الهمس والدموع، تفتح الصحافية اللبنانية ندى عبدالصمد شرفة منسية من الذاكرة في كتابها الجديد “حين انطفأت شرفات اليهود في وادي أبو جميل”، الصادر عن دار رياض الريّس للكتب والنشر.
في هذا العمل الآسر، تمتزج الواقعية بالتأمل الروائي لتعيد الكاتبة رسم ملامح مجتمعٍ كان ذات يوم جزءًا من نسيج المدينة، ثم تلاشى بصمت كما تنطفئ قنديلة في زقاق قديم.
من بين الصفحات، تتهادى الحكايات كأصوات بعيدة من زمن كان فيه وادي أبو جميل حيًّا نابضًا بالتنوع، يسكنه المسلم والمسيحي واليهودي جنبًا إلى جنب، قبل أن تبتلعهم دوامات السياسة والحروب.
تستدعي عبدالصمد الحكايات من أفواه من تبقّى من الجيران والمعارف، ممن عايشوا أولئك الذين رحلوا بصمت، تاركين خلفهم كنيس “ماجين أبراهام” شامخًا كحارس للذاكرة، صامتًا كأطلال تعرف أكثر مما تقول.
وفي نسيج من الحنين والبحث، تعيد المؤلفة سرد قصص واقعية لأشخاص كانوا ذات يوم أبطال الحياة اليومية في بيروت، دون أن تخضعهم لأحكام السياسة أو تصنيفات الانتماء، بل تتركهم يتحدثون بلسان القلب والذكريات.
حكاية عائلة مزراحي
من بين تلك الحكايات، تتألق قصة عائلة مزراحي؛ حكاية حب ووجع وانقسام.
كانت ماري السمن، اللبنانية المسيحية، تسير بين المتظاهرين في بيروت منتصف الخمسينيات، حين أنقذها سليم مزراحي، اليهودي العراقي، من فوضى المظاهرات ضد “حلف بغداد”.
ومن تلك اللحظة اشتعل الحب، وتزوجا على الديانة اليهودية، وعاشا في وادي أبو جميل، في بيت يطل على بيروت الهادئة قبل العاصفة.
لكن الحرب غيّرت الملامح. بعد عام 1967، بدأت ماري تشعر بثقل الخوف، والعداء المتنامي لكل ما هو يهودي. ومع انضمام ابنها ماركو إلى حزب الكتائب، بدا أن الدائرة تضيق أكثر، حتى قررت العائلة الرحيل خلسةً عبر قبرص إلى إسرائيل عام 1970.
غير أن القدر، كعادته، يعيد الحكاية على نحو مؤلم؛ إذ عاد ماركو بعد اثني عشر عامًا، ضابطًا في جيش يحتل مدينته، ليزور بيته القديم في وادي أبو جميل بزي غريب لا يشبه ذاكرة طفولته.
تلتقط عبدالصمد في هذه اللحظة تقاطع الهوية بالحنين، والذاكرة بالخذلان، فتكتب لا لتدين ولا لتبرر، بل لتمنح الذاكرة صوتًا كان صامتًا طويلاً.
وتوضح أن هجرة اليهود من لبنان لم تكن ضجة، بل رحيل خافت يشبه انطفاء شمعة في الريح، نظمته الوكالات اليهودية التي أغرت الفقراء بوعود المال والمستقبل، فيما كانت بيروت تودّع أبناءها بلا وداع.
ليس هذا الكتاب مجرد سرد لتاريخ منسي، بل مرثية لبيروت التي كانت تتسع للجميع قبل أن تضيق بأهلها. إنه دعوة للتأمل في المسافة بين الذاكرة والنسيان، بين ما يُكتب وما يُمحى، وبين الأوطان التي كانت تسكن الناس قبل أن يغادروها.
فكما تقول الكاتبة بين سطورها غير المنطوقة:
لبنان ليست منسية، بل تنام في وجدان أبنائها كقصيدة لم تكتمل بعد.
الكاتبة أميرة عبد العظيم