لوحة نازفة.. وجع يقطر من بين الألوان للكاتبة أميرة عبدالعظيم

لوحة نازفة” قصة تأخذنا إلى عالم عنوانه الحزن المشوب بالحنين، حيث ينقلنا النظر إلى لوحة فنية في رحلةٍ داخل أعماق الذاكرة. بطل القصة، جابر، يقف أمام لوحة رسمها أحد زملائه في مركز الإيواء، فيراها كمرآة لروحه الممزقة بعد أن فقد كل شيء بسبب الحرب: المصنع، البيت، الأمان، وحتى ملامح مدينته التي تحولت إلى رماد.

العنوان “لوحة نازفة” جاء صادقًا معبرًا عن هذا الألم العميق؛ فهي ليست مجرد لوحة ألوان، بل لوحة من الجراح والذكريات، تنزف كما تنزف القلوب التي عاشت الفقد والخراب.

نجح الكاتب في تصوير مشهد إنساني مؤثر بلغة صادقة وصور قريبة من القلب. نلمس من خلال تفاصيل القصة وجع النزوح، وحنين الإنسان إلى ما كان، ورغبته في التماسك رغم الألم.

وفي النهاية، حين يقول جابر:


“لقد نزفت كل أوجاعي أمامها”
نفهم أن اللوحة لم تكن مجرد رسم، بل وسيلة للبقاء، وصوتًا صامتًا يحكي ما عجز اللسان عن قوله.

قصة قصيرة تحمل بين سطورها صدقًا إنسانيًا عميقًا، وتجعلنا نتأمل كيف يمكن للفن أن يكون مرآة للروح حين يعجز الكلام. نص إنساني عميق يستحق التوقف والتأمل، فهو يفتح نوافذ الوجدان على معاناة الإنسان حين يُسلَب منه الوطن والأمان، ويضيء بقوة الفن الذي يداوي الجراح.

نص القصة:

لوحة… نازفة
مبارك إسماعيل ودحمد

يحدق جابر في اللوحة التي رسمها أحد رفاقه في مركز الإيواء بحيرة مشوبة بالذهول، وكأنها مرآة تعكس شتات روحه. فقد رأى نفسه في الرجل المرسوم على حافة طريق مهجور، عيناه تتطلعان إلى شيءٍ لا يأتي. هو أيضًا رجل فقد كل ما يربطه بماضيه؛ ذكرياته تنساب كأنهار مجروحة، محملة بصور مصنعه الذي كان مصدر رزقه ورزق عماله.

صباح ذلك اليوم المشؤوم، تحول المصنع إلى رماد، وأصبحت آلاته ركامًا. هددوه، سرقوا كل ما وقعت عليه أياديهم الملطخة بدمائنا، ثم قتلوا عماله، ولم يكتفوا بذلك، بل سلبوه حتى جواله.

بالأمس القريب خرجوا كعادتهم عند الساعة الواحدة تمامًا بتوقيت الثورة، تحتشد الشوارع، فيما الحرب تشتعل في مدينته.

الذكريات تؤلمه كجرح مفتوح، وهو الآن يعيش مع زوجته نعيمة وابنتيهما نانسي ورغد تحت سقف خيمة مهترئة، لا تقيهم من مطر ولا حر ولا برد، بعدما كانوا يسكنون في فيلا مجهزة بأحدث ما أنتجته التكنولوجيا.

في صباحات النزوح، يراقب أطفال المركز وهم يلعبون. تتسلل ضحكاتهم إلى أذنيه فتوشك شفتاه أن ترتسم عليهما بسمة، لكنه يتذكر أن الضحك صار ترفًا لا يملكه. فمشهد مدينته التي فر من جحيم حربها يلاحقه، المدينة التي حملت تفاصيل حياته كلها: الحي القديم، المسجد العتيق، المصنع الذي كان عنوان أحلامه، المدينة التي تنهار الآن طوبة طوبة، تاركة وراءها مشهد الحريق ورائحة الدم.

تعود ذاكرته إلى لحظة اتخاذ قرار الهروب. كان ينتظر عائلته عند حافة الطريق بعد أن نهبوا عربته. استأجر سيارة تاكسي وأخذ ينظر من نافذتها إلى سماء تمطر أزيز الطائرات وجحيم الرصاص. حينها رأى زوجته وأطفاله يركضون نحوه وسط ذلك الجحيم.

في السيارة التي تقلهما شرقًا نحو المدن الآمنة، تغمغم نعيمة بحسرة:
“لا حول ولا قوة إلا بالله… كيف تغير كل شيء بهذه السرعة؟ البيوت، الشوارع، وجه المدينة!”
يلتفت جابر إليها عاجزًا عن الرد، والكلمات عالقة في حلقه.

بينما تتحدث نعيمة عن احتمالية الذهاب إلى مدن أخرى، يحاول جابر طمأنتها رغم قلقه. لكنه يعلم أن المستقبل الذي يبحثان عنه قد يكون سرابًا آخر، فالمدينة التي يغادرونها لم تكن مجرد مكان، بل وطن أحلامهم المهددة بالزوال.

فجأة تتوقف عربة التاكسي، ويصيح السائق:
“الحصاحيصا.. انزلوا الكفتيريا والحمامات.”

ينزلون من العربة، ويتجهون إلى مبنى الكفتيريا، يمسك جابر بيدي طفلتيه، يحاول ترتيب شظايا روحه المتهالكة ورويدًا رويدًا يستعيد توازنه ووعيه.

يخرجه من استغراقه صوت رفيقه الرسام، وهو يربت على كتفه:
“لقد أسميتها لوحة نازفة.”

فيجيبه جابر مستعيدًا رباطة جأشه:


“حقًا! لقد نزفت كل أوجاعي أمامها.”

الكاتبة أميرة عبد العظيم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *