هذا النقد يحاول الإصغاء إلى نملةٍ تكتب مصير الإنسان على ضوء شاشة، نصٌ يفتّش عن رائحة العالم في عصرٍ بلا حواس وعن معنى المسرح حين يصبح الضوء هو التراب.
هنا لا نقرأ المسرحية فحسب، بل نقرأ ما تكشفه من هشاشة في علاقتنا بالواقع وبأنفسنا.
في هذه المونودراما، تُطرح النملة على الخشبة ليس بوصفها كائنًا صغيرًا أو رمزًا مباشرًا للضعف، بل بوصفها حاملًا لبصيرة مخلخلة، كأنها قادمة من صدعٍ سريّ في جدار الحداثة لتفتش عن الطبيعة الضائعة داخل الغرفة الرقمية، التي حوّلت المعنى إلى إشعار والنبض إلى ضوء.
النص يستدعي شكلًا مسرحيًا مبتكرًا، يُشبه المختبر الفلسفي البصري، حيث يتحوّل الهاتف المحمول إلى فضاء وجودي يتنفّس ويضيء ويختنق، وتتسلّق النملة شاشته كما تتسلق النفسُ جدران الأسئلة المرهقة.
المسرح هنا لا يكتفي بالكشف بل يفضح: الإنسان لم يعد وحده على الخشبة، إنما هو وشبحه الإلكتروني وأصداء صورته التي تكبر بينما ينكمش داخله.
أهم الملاحظات النقدية لكل مشهد
-
المشهد الأول (الإضاءة الأولى): تُمنح النملة صوتًا قبل أن تُمنح مكانًا، وهو خيار ذكي لأن الصوت يسبق الجسد في عالم الشاشات.
“لم أكن أبحث عن السكر… كنت أهرب من ثِقل الأرض.”
هنا، لا نسمع هروبًا، بل صعودًا من الأرض الثقيلة إلى فضاءٍ بلا ثقل لكنه بلا رائحة، بلا طين.
-
المشهد الثاني (وجوه الزجاج): صور رقمية لوجوه بلا أجساد.
“رأيت وجوهًا كثيرة لوجه واحد… هل يسكنون في صورهم أم صورهم هي التي تسكنهم؟”
النص يسلط الضوء على مأزق الإنسان المعاصر: فقدان التفرد مقابل توسع “الأنا الرقمية”.
-
المشهد الثالث (اللغة الباردة): الكلمات تُصبح جسدًا باردًا، تلمع بلا طاقة.
“قرأت: أشتاق… لكن لم أشم شيئًا من الشوق.”
النص يطرح سؤالًا لنا: هل يكفي أن نكتب “أشتاق” كي نشعر بالشوق؟
-
المشهد الرابع (النجمة الزرقاء): ذروة شعرية وفكرية، دفء مؤقت يختفي بسرعة.
“أهذا هو الحبّ هنا؟ أن تلمس سرابًا وتسمّيه قربًا؟”
-
المشهد الخامس (حراسة الباب): البشر صاروا نملًا بلا أرض، يحفرون شبكات ويخزنون صورًا بدل الحبوب.
النص يؤكد أن التقنية لم تعد مجرد أداة، بل بيئة ومستعمرة جديدة للاستعباد الرفيع. -
المشهد السادس (العودة): العودة إلى التراب، الرائحة الأولى، إلى المطر والغبار.
“ما لا يُشمّ هو غير موجود… لكن فوق التراب عالمًا يمشي على الضوء ويختفي حين تفتح عينيك.”
المسرحية: النملة التي مشت على الضوء
مونودراما شعرية فلسفية
تأليف: د. عبير خالد يحيي
الشخصيات
-
النملة: الصوت الوحيد على الخشبة، تمثل وعيًا وجوديًا صغيرًا يخترق العالم الرقمي.
الفضاء
-
ليس مكانًا، بل كيان متحوّل من الضوء، الشاشة، والذبذبة.
-
مؤثرات بصرية وصوتية يمكن أن تُستخدم لإحساس الهاتف المحمول ككائن يتنفس ويستجيب.
الزمن
-
زمن غير محدد، بين سقوط النملة داخل الهاتف وعودتها إلى العالم الحقيقي.
-
يتقاطع الزمن المسرحي مع زمن الشحن والبطارية، كدوران بين الحلم واليقظة الرقمية.
المشهد الأول: الإضاءة الأولى
-
ظلام كامل، طنين كهربائي خافت يتحوّل إلى نبض إلكتروني يشبه دقات القلب.
-
النملة:
“لم أكن أبحث عن السكر… كنت أهرب من ثِقل الأرض، من أحذيةٍ تجرّ الغبار معها كما تجرّ المعنى. سقطتُ في صدعٍ صغير… ظننته صدعًا، فإذا هو بابُ ضوءٍ بلا رائحة. العالم هنا… لامع، لكن لا طعم له. أرضٌ بلا رطوبة، سماءٌ بلا طنين ذبابٍ أو رائحة مطر.”
المشهد الثاني: وجوه الزجاج
-
صور بشرية شفافة تتحرك بلا صوت على الجدار الخلفي.
-
النملة:
“رأيتُ وجوهًا كثيرةً لوجه واحد، تبتسم، تلوّح، تُكرّر نفسها. كلّ شيءٍ يتحرك هنا… إلّا الهواء.”
المشهد الثالث: اللغة الباردة
-
الأرضية مضيئة بأحرف ضخمة، النملة تمشي فوقها.
-
النملة:
“مشيتُ على الحروف، كانت الكلمات تلمع كحبّات سكر رقمية. قرأت: أشتاق. لكن لم أشم شيئًا من الشوق… كيف تُثمر شجرة بلا جذور؟ وكيف يضحك البشر بلا حرارة؟”
المشهد الرابع: النجمة الزرقاء
-
وميض أزرق حاد يقطع السكون.
-
النملة:
“ضغطت زرًا صغيرًا… فاشتعلت نجمة زرقاء. أحسست بدفء لحظة، ثم انطفأت. أهذا هو الحب هنا؟”
المشهد الخامس: حراسة الباب
-
إضاءة باهتة تميل للبنفسجي، كنبض بطارية توشك على النفاد.
-
النملة:
“ربما صاروا هم النمل الجديد، يحفرون أنفاقهم في الأسلاك، ويحملون فتات الصور بدل الحبوب، ويبنون مستعمرات بلا ملكة… اسمها: الشبكة.”
المشهد السادس: العودة
-
الضوء يتحول للون ترابي دافئ، وصوت المطر يهمس من بعيد.
-
النملة:
“خرجت من الهاتف، عدت إلى التراب، إلى الرائحة الأولى، إلى العرق والغبار والمطر. ما لا يُشمّ هو غير موجود… لكن فوق التراب عالمًا يمشي على الضوء ويختفي حين تفتح عينيك.”
-
النهاية:
إضاءة ختامية، نقطة ضوء بيضاء كأثر نملة، وصوت خافت:
“العالم الحقيقي لا يترك إشعارات.”
الكاتب نضال الخليل