نعمة خالد تبدأُ من حيث تنتهي الخرائط، من شقوق الرغيف، من مفاصلِ الكفّ التي لم تعد تعرف اليومَ فرقَ الطين عن الدمع. ليست امرأةً في هامش الحكاية، بل هي الحكاية نفسها — جسمٌ بذاكرةٍ قابلةٍ لأن تُقرأ كخريطةٍ إنسانية لا تقبل الانقسام بين «حياة» و«قلب»، بين «رماد» و«ذكرى».
في نصوصها يتحوّل المخيّم إلى جسمٍ يوحّد أجزاءه، أو كأنّ المخيّم صار امرأةً: يمينٌ تُخبر، ويسارٌ يحتفظ بسرّ. هناك، حيثُ تقف المرأةُ تحت سقفٍ نصفُه هدمٌ ونصفُه نور، تتحمّل دور التاريخ اليوميّ:
تُخبّئ الأسرار في قشرة الخبز،
تُعلّب الحزن في أغنيةٍ تحفظها الذاكرة،
وتضعُ حنّةَ اليد علامةً على لحمٍ بارد كي يدرك الموتُ أنّ هناك جسدًا لا ينبغي الاستهانة به.
في «ليلة الحنّة» المنبثقة من بين أنقاض اليرموك، لا يعود الطقس مجرد طقس؛ بل يتحول إلى قرار.
الحنّة هنا ليست زخرفة، بل عقيدة تُكتب على اليد لتبقى شهادة:
هذا جسدٌ أحب الحياة حتى في عيدها الأخير،
وهذا جسدٌ يعرف أن يضحك ليبقى الطفلُ صغيرًا،
ويعرفُ أن يبكي بصوت منخفض كي لا يسمعه ضجيج القصف.
أما الرقص في زمن الحصار فليس هروبًا من الواقع فقط، بل اعترافٌ صريح بأن الحرية لا تُقاس بخلوّ اليد من القيود، بل بقدرة الجسد على الادعاء أنه حيّ — حتى وإن كان نصفه على قيدٍ من الدهر.
الغربة: حملُ الطقوس كما تُحملُ رائحة المدينة الأم
عند الانتقال إلى الغربة، لم تسافر نعمة خالد وحدها؛ أخذت معها طقوسًا كاملة كما يأخذ الناس رائحة مدينتهم الأم.
هناك تصير الزغاريد مفردة تحتاج ترجمة في قاعاتٍ باردة، وتتحوّل الأغاني إلى سرّ خلف الستائر كي لا تُربك سكينة الأوروبيين.
ومنذ ذلك الحين صار عليها أن تفسّر طقوسها لمن لا يعرفها:
الزغاريد ليست مجرّد صوت فرح، بل صرخةٌ أخرى، وثيقةٌ صوتية تُثبت أن الحياة كانت قائمةً هنا — فقط نحتاج من يوقّع عليها باسمٍ رسمي.
المخيّم: سجلّ النساء الذي لا يظهر في الإحصاءات
المخيّم في نصوصها ليس مكانًا يُسجَّل في تقريرٍ أممي ثم يُطوى، بل سجلٌّ مفتوحٌ للحالات الصغيرة:
-
امرأةٌ خبزت رغيفًا بيدٍ تهتزّ،
-
أمّ غنّت لطفلٍ يسأل صباحًا إن كانت السماء ستعود،
-
عرسٌ تأخر ليصبح جنازةً بالتأجيل.
هذا السجلّ النسائي هو ما يستحق أن يُسمّى أرشيفًا — أرشيفًا يعمل في الهامش، في صوت امرأة تُنشد ما لا تحكيه الكتب.
إنه ذاكرة من طبقات الزمن الصغيرة: لحظات تبدو تافهة منفردة، لكنها تصنع ذاكرةً كاملة.
تفاصيل تُقلب التاريخ
لأن الشأن هنا شأن الإنسان قبل السياسة، لا يختزل النص الواقع في لافتات، بل في تفاصيل دقيقة قادرة على قلب التاريخ:
-
الحنّة
-
الزغاريد
-
رغيف يابس
-
ضحكة تُستعملُ لدفن الخوف
بهذه التفاصيل تُقدّم رؤية مختلفة للغربة:
ليست فقط فرارًا من قنبلة أو حصار، بل نقلُ طقسٍ كاملٍ إلى فضاء جديد يتعامل معه العالم أحيانًا كعرضٍ فولكلوري لا معنى له.
ومهمتها إذن أن تحرس الطقس، وتُعلّم الغرباء أن هذا النظام الروحي لا يموت حين ينتقل إلى قفصٍ أجنبي.
اللغة كأداة توثيق
لغة نعمة خالد تتحوّل إلى أداة توثيق:
الأغنية وثيقة،
الضحكة شهادة،
الحنّة ختمٌ لا ينكره الزمن.
النصّ لا يبتعد عن الواقع، بل يرفض أن تُقرأ المرأة كهامش، ويُعيد وضعها كذاكرة ومنطق وحارس وموسيقى في آنٍ واحد.
هنا تنشأ شجاعة أدبية تحوّل الحكاية إلى شهادة، والشهادة إلى وطن.
امرأة طويلة الأمد
نعمة خالد (يما) لا تُكتب كي تُحكى، بل كي تُبقى.
تكتبُ المرأةُ المخيّم كي لا يختفي كحكاية تُنشر ثم تُنسى،
بل ليكون المخيّم امرأةً طويلةَ الأمد،
تتنفس بأصوات من تبقّى،
وتنشد بما بقي من طقوس،
حتى يتعلم العالم أن يسأل عن معنى البقاء قبل أن يكتب تقريرًا عنه.
الكاتب نضال الخليل