وجوه الغياب في مرآة الزمن للكاتب نضال الخليل

لم يكن الخمسون عدداً في عمره،
بل كانت تجاعيدُ اللغة على وجهه.

انقضّت عليه السنون
كما تنقضّ الذئابُ على فريستها
حين تشتمّ رائحة الضعف
في لحمه الروحي.

كان موظّفاً
يطوي النهاراتِ في دفاترٍ من النظام،
ويرقّعُ الخلل بالجدوى
كمن يُصلح ميزاناً مكسوراً
بمسامير من الهواء.

ثم تاجرَ،
فصارت النقودُ له حروفاً
يكتب بها سيرةَ وهمٍ
اسمه “النجاح”،
إلى أن ارتبكت أوزان الربح
وتحوّلت الأسواقُ إلى مرايا عمياء.

وحين داهمه الليل
لم يجد سوى الزجاج السائل
يرشّه على جرحه معنى الغياب.

شرب
ليقيس المسافة بين الحلم
وهاوية الطين.

شرب
حتى صار صدى لسانه يعظه،
ثم صحا على صوتٍ
لم يعرف إن كان صوتَ الله
أم صدى نفسه
في قاع الجسد.

فتوضّأ بندمٍ لزجٍ،
وأقسم أن يتوب،
لكنّه حين تاب
أدرك أنّ التوبة
ليست سلّماً إلى النور،
بل خيطاً رفيعاً
في ظلمةٍ تتنفّس ببطء.

عاد إلى الكتابة،
إلى مهنته القديمة
في تسويد الفراغ.

الكلمات لا تُطعِم أبناءه،
لكنها تُسكِتُ جوعه هو،
جوع الروح الذي لا يُشبع.

كتب
حتى ذاب قلمه في الحبر،
وذابت الأيامُ في الرماد.

صار يبيع فِكرَه
كما تُباعُ التحف القديمة:
يُشترى منه الإعجاب،
لا الخبز.

خذله الرفاق
الذين كانوا يستدفئون بنوره
حين كان واقفاً؛
الآن يمرّون أمامه
كما تمرّ الغيوم
أمام قمرٍ مطفأ.

هو وحده،
جالسٌ في قلب وحدته،
يُحدّث الكرسيّ
عن سقوطه الأوّل
من كفّ الأمل.

يضحك ضحكاً جافّاً،
يشبه حفيف الرماد
حين يتذكّر النار.

الكتابة؟
ليست خلاصاً،
إنها أداة قياسٍ للعطب،
كأنّ الله نفسه
يترك له الممحاة
ليجرّب بها معنى الفناء.

هو لا يكتب لينجو،
بل ليحفظ آثار موته وهو حيّ،
كما يحفظ الحفّارُ
نقشَ اسمه
قبل الرحيل.

في الليل،
حين يلتصق الجوعُ بأجفان صغاره،
يمدّ رأسه إلى الداخل،
إلى حيث يعيشُ ظلّهُ
حياةً أخرى.

هناك، في الداخل،
يسمع لغواً من الملائكة المهملة،
تلك التي لم تُمنح وظيفة الحراسة،
فيحاورها:

هل كنتُ خطأً في تصريف المعنى؟

ثم يبتلع صمته
كما يُبتلع الحصى
في حلق الجداول.

إنه لا ينتظر الخلاص.
هو يعرف أنّ الله حين يغفر
يترك شقّاً صغيراً في الروح
يتسلّل منه السؤال:

لماذا أنا؟

ذلك السؤال
الذي لا يجيبه أحد…
ولا ينام.

الكاتب نضال الخليل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *