الهشاشة كقوة خفيّة – تأملات في اللاعنف كمعضلة لا كفضيلة للكاتب نضال الخليل

في مدينةٍ ما، وفي لحظةٍ ما، خرجت مظاهرة.
كانت اللافتات بيضاء، والقمصان بيضاء،
الأصوات لا تطالب بالثأر بل بالحقّ في ألّا يُضرَب الإنسان… لأنه إنسان.

بعد ساعةٍ كان أحدهم ينزف، والآخر يُسحب من شعره،
أما اللافتة البيضاء فكانت قد تلطّخت بدمٍ غير أيديولوجي.

منذ تلك اللحظة صار اللاعنف تهمة،
وصار العنف شرطًا لتُؤخذ على محمل الجدّ.

صار من المشروع أن نسأل — لا بصوتٍ عالٍ بل من داخل الجدران:

من يملك الحقّ في اللاعنف؟

هذا السؤال لا يُرفع في المؤتمرات،
ولا يُطبع على غلاف الكتب،
بل يُهمَس به في الليل حين يعود الإنسان من الشارع،
ويخلع حذاءه قرب باب الخوف.

اللاعنف ليس مبدأً طاهريًا ولا خيارًا أخلاقيًا يُتّخذ في عزلةٍ ضميرية،
إنه امتياز — امتياز أن لا تكون حياتك مهدّدة كل لحظة،
وامتياز أن يُؤخذ ألمك على محمل الجدّ.

في زاويةٍ من كتاب قوة اللاعنف، تكتب جوديث بتلر كما لو كانت تكتب بجانب سرير أمّها المحتضرة،
لا تصرخ، لا تنظّر، بل تُلمّس بكلماتها مفهومًا لم يعد يحتمل التعريف،
لأنّ التعريف بات رفاهيةً فلسفيةً لا تليق بالمقهورين.

“الهشاشة” تلك الكلمة التي تتردد في نصّها، ليست مرادفًا للضعف.
الهشاشة هي أن تُصاب بأذى دون أن يُعترف بك كضحية،
أن تموت دون أن يحقّ لك الحداد،
أن يُقال لك ضمنًا أو علنًا: موتك غير شرعيّ.

في مؤتمرٍ أوروبيٍّ أنيق، يجلس المتحدثون ليتحدثوا عن اللاعنف.
يتحدثون عن غاندي ومانديلا ومارتن لوثر كينغ.
لا أحد يذكر الطفل الذي مات في غزّة،
لأن موته لم يكن جزءًا من السردية المعترف بها هناك.

اللاعنف هناك فلسفة،
وهنا علامة على الهزيمة.

هنا حين لا تحمل السلاح، يُنظر إليك ككائن ناقص،
كمن لم يكتمل، لا في البطولة ولا في الألم.

هل اللاعنف هو أن لا تضرب؟
أم أن لا تكون أنت المضروب؟
هل هو فلسفة حياة؟
أم استسلام يتزيّا بلباسٍ أخلاقي؟
هل هو شكل من أشكال الكرامة؟
أم تمرين طويل على الصمت حتى لا يسمعك أحد؟

في العالم الذي نعيش فيه،
حيث تنتقل السلطة من الهراوة إلى الكاميرا،
ومن الطلقة إلى المنشور،
لا يبدو اللاعنف رديفًا للسلام،
بل مرادفًا للإرباك
إرباك الجلاد، إرباك الضحية، وإرباك الجمهور الذي لم يَعُد يعرف على من يُصفّق.

هناك لحظةٌ حين يتوقف المرء عن الصراخ،
لا لأنه تعب، بل لأنه أدرك أن الصوت لا يغيّر شيئًا.
وفي هذه اللحظة بالذات يبدأ اللاعنف كقوّة:
أن لا تطلب شيئًا،
لكن أن تحتفظ بحقّك في الحداد،
أن لا تُبرر موتك،
أن لا تسمح لهم أن يمحوا جُرحك بالقول إنك لم تُقاتل بما يكفي.

العدو ليس دائمًا الآخر،
أحيانًا هو ذلك الصوت المزروع داخلك الذي يقول:

“لو كنتَ رجلاً لرددت.”
“لو كنتَ شجاعًا لصرخت.”
“لو كنتَ تستحق الحياة لما بقيت صامتًا كل هذا الوقت.”

لكن… ماذا لو كان الصمت هو الشكل الأصدق للمقاومة؟
ماذا لو كان البقاء على قيد الحياة في عالمٍ مصمَّمٍ ليقضي عليك هو فعل التمرّد الأعلى؟
ماذا لو أن اللاعنف لا يعني النجاة،
بل يعني فقط أن لا تتحوّل إلى ما تكرهه؟

الكتاب لا يقدّم حلًّا،
لا يطرح خارطة طريق،
لا يدعونا إلى الثقة بأي شيء،
هو فقط يطرح تلك الأسئلة الصغيرة المؤرقة التي لا تحتاج إلى إجابة:

  • هل يمكن للاعنف أن يكون تمرّدًا؟

  • هل يمكن للصمت أن يكون سلاحًا؟

  • وهل يمكن لرفض القتل أن يُربك القتلة؟

ربما…
لكن ما هو أكيد أننا نحتاج أن نُعيد التفكير في معنى الحياة،
لا حين ننتصر، بل حين نُخذَل.

الكاتب نضال الخليل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *