في حضرة السرد تأملات في قصص أحمد أبو حليوة للكاتب نضال الخليل

أحمد أبو حليوة ليس كاتباً يبحث عن الحكاية بل عن ما يختبئ خلفها.
قاص فلسطيني أردني يكتب كمن يفتح نافذة في جدار مغلق، لا ليُدخل الضوء بل ليكشف الغبار.

شخصياته ليست أبطالاً، بل شهوداً ضجرين على واقعٍ يتآكلهم.
وفي قصصه لا شيء يحدث فعلاً… ومع ذلك كل شيء يتغيّر.
هو كاتب التفاصيل المُهملة، الهزائم الصغيرة والنجاة التي لا تُعلن نفسها.

الحرب

– قصة قصيرة –

منذ ولدتُ وأنا هنا، لم أصدق أنّ بلادي بعد جلاء المحتل ستدخل في هكذا حرب أهلية قذرة، لكنّها دخلت.
حزنتُ وقلتُ بداية أنّ مدينتي بعيدة عن ذلك، وها هي الآن قد باتت في قلب الحدث.

قريتي البعيدة النائية، التي لم أسمع باسمها على مدار عقودي السبعة إلّا على ألسنة أبنائها، تتناقل قصفها أشهر وسائل الإعلام العربية.

أنا القروي العجوز الذي لا يعرف كتابة اسمي، لم أفهم ماذا يحدث لأسرتي الكبيرة في وطني، وكذلك لأسرتي الصغيرة في منزلي.

  • يا أبي علينا أن نغادر المكان… حياتنا يتهدّدها الخطر، وعلينا أن نخرج من هنا، كما فعل معظم سكان القرية.

لم يعلم ابني الوحيد، الذي يعمل في المدينة، أنّني لا أسكن المكان فقط، بل أتنفسه، ويسكنني أيضاً، ولا يمكنني الابتعاد عنه.

  • يا بني أنا سمكة صغيرة في هذا العالم، وهذه القرية بحري، وأغلى ما عندي، بل حياتي كلّها فيها ولها.

حاول مراراً وتكراراً ثنيي عن قراري بالبقاء، إلّا أنّه لم يفلح في ذلك، واضطر للخروج دوني مع زوجته الطيبة وابنتيه الجميلتين وأبنائه الصغار الثلاثة.

منذ أن كبر لم أشعر به طفلاً إلّا في تلك اللحظات التي ودّعني فيها، حيث قبّل وجهي ورأسي ويدي، ثم ألقى برأسه المهموم على جذع صدري، وأجهش بالبكاء.

ضممتُه إلى عش حضني بقوة، ومسحتُ بكفي على رأسه بحنو، تصنّعتُ الصلابة وطلبتُ منه الثبات والهدوء والاتزان والإيمان بالقضاء والقدر، وأن يعدني بالعودة إن لم يكن لي فللقرية.

ابتعدوا عندما دبّ الليل الغامق، وفي ساعات الصباح الواضح، استيقظ المكان المنكوب ومن تبقى فيه على مقبرة وعجوز، يغطّ في الحزن والدموع أمام قبر زوجته، التي غادرته قبل سنين، وتركته من بعدها نهباً للشوق والحنين، ولكلّ هذه الوحدة والحرب.

قراءة في القصة

الحرب كمرآة للذات

في لحظةٍ من السكون الذي يسبق القصف، يقف العجوز القروي وحيداً في ساحةٍ صامتة تماماً كما نقف نحن قبيل اندلاع فكرةٍ تزلزل مفاهيمنا.

هذا السارد الذي “لا يعرف كتابة اسمه” يذكّرنا بأنّ الذات الحقيقية لا تُختزل في تسمياتٍ ولا في ألفاظٍ بل تتشكّل في تلاطم الذاكرة على صخور الحاضر.

هنا، تُصبح الحربُ ليست حدثاً خارجيّاً فحسب، بل سؤالاً متأملاً عن طبيعة الزمن والمكان والهوية.

 

الاتجاهات المتقاطعة في النص:

المكان كذاتٍ حية: تحوّل القرية من بقعةٍ هامشيةٍ إلى “بحرٍ” يرفض أن يتنازل عن ساكنيه، حتى لو انقلب هذا البحر إلى ركام.
لغز التربة التي “تسكنه” يشير إلى أنَّ الأرض لا تُسجَن في جغرافيا فقط، بل في عمق النفس وكوامن القلب.

الزمن الممزّق: بين ماضي الأمومة والغربة (قبر الزوجة) ومستقبل الخوف (هروب الأبناء)، يقبع زمن ثالث، زمن السرد نفسه، مصفوفة تتشابك فيها الإيقاعات وتنثني على نفسها، حتى تغدو الحرب حلقة لانهائية في وعي الراوي.

الذات الممزقة: حين يودّع الابن والده، لا تكون تلك لحظة عزاء عابرة، بل عبور شعري إلى منطقة بين اليأس والأمل، حيث يصير الابن مرآة للشك الأبدي في قدرة الإنسان على النجاة.

من هذا المنظور، يبدو العجوز القروي في خضم نصّه كفيّات فلسفية تُحرّك القارئ إلى التمجّد بتناقضاته:
هو يدرك حد الموت والحياة، ويتمسّك بجذوره رغم الخطر، ويطلب من الابن “الثبات والإيمان”، وكأنّه يوقّع عقدًا مع الزمن على أن تبقى فكرة القرية حيّة بعد أن تذروها القذائف.

ما أخشاه في هذا النص، كما في كل نص يُعنَى بالسرد أمواجاً، هو أنّنا قد نتوقف عند الحرب بمعناها المباشر، فنفقد الفرصة للتأمل في أفق أوسع:

الحرب هنا ليست إلا واجهة لواحدة من أقدم حروبنا: تلك التي نخوضها داخل أنفسنا، حيث تتصارع جذوة الشوق بألسنة اللهب مع قشور الخوف الباردة، وحيث يُعاد بناء الذات بريح الاشتياق إلى مكان أصبح قدراً شخصياً، لا يُحدّه ما يُسمّى وطنًا أو بيتًا، بل ما تنبض به شرايين الذاكرة.

في النهاية، تكون القراءة السردية لهذا النص رحلة في مساحات الضدّ:

  • حياةٌ وموت

  • بقاءٌ ورحيل

  • كتابةٌ وصمت

والقرية أكثر من أن تكون موقعاً جغرافياً، تصبح طوفاناً داخليّاً يختبر قدرتنا على التفكير والشعور، وعلى أن نرى في رماد الدمار بذوراً للسؤال، بل للحياة نفسها.

الكاتب نضال الخليل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *