لم يكن الوقت دوران عقربين في استدارة الأرقام، الوقت مطارق دقت عظام المحاصرين. مرت أيام، أيضًا بلا وقت، كانت مجرد أسماء أيام تخط الأسابيع على روزنامة الجدران.
سنوات والحصار العنوان الوحيد لما يشبه الحياة.
أطلق السيد الحارس صفارته لإغلاق نوافذ الضوء في مخيم اليرموك بموسيقى الطائرة المشؤومة، ورفعت السواتر الترابية جبالاً تحيط وادي المخيم، وعلقنا في شباك التراب. هناك تحولنا إلى أرقام، موتى مؤجلين، تحمل أكفاننا أثواب. صرنا أيضًا خرافًا. أطلق صوت الخراف ضاحكًا والتفت إلى طفله وبدأ يلاعبه متناسياً وجودي.
حاولت استدراك المشهد بتبليل شفتي بكأس ماء قدمته لي الأم، وهي فارعة سمراء، عيناها واسعتان كأنهما مركبان يحملان البحر خلفهما.
الأم متلعثمة: “لا تأخذ على خاطرك منه، ما زال عالقًا هناك”.
صوته كالملح المرشوش على النزيف: “كيف وصلتم إلى هنا؟!”
من مخيم الشمال بهوية هذا الطفل، عبرنا المخفر الحدودي… هذه ليست جملة تصف بها وصولنا إلى تركيا، كان لنا من الجنوب إلى الشمال كما المسافة بين السماء والأرض. ومن المشهد الأخير هناك في تعفن مخيمات الشمال ومشفى المدينة، الممر الضيق في المشفى يشبه عنق زجاجة، أبيض الجدران، إضاءة خافتة ورائحة الكحول الطبي أوكسجين المكان، وأنا على كرسي أشبه بكرسي التحقيق في أحد مخافر الأمن في الشمال السوري. هناك كان المحقق شابًا بعمر الثلاثين يدور حول الكرسي يلاعب حجرًا معدنياً بين أصابعه كأنه يجادل شخصية بداخله بين السينما ورجل مخابرات.
بدأ المحقق بالسؤال عن اسمي والجهة التي جئنا منها.
“يا سيدي، نحن جئنا بقوافل الحافلات من دمشق، مخيم اليرموك.”
وكانت أسماؤنا محشوة بالقلم الأزرق على ورق الحافلة.
-
“لا تتحذلقي.”
-
“أم عماد (فوزية) من مخيم اليرموك.”
-
“لماذا لم تبقَي هناك؟!”
-
“ماذا تعني؟ يا أخي حملتْنا الحافلات إلى هنا.”
-
“إذا أنتم العالقون… لستم محاربين.”
-
“نحن السكان الأصليون.”
-
“أنتم عالقون… كنتم كشوكة.”
-
“نحن عقلة نجاتكم.”
-
“اخرسي.”
تحول الكرسي إلى سجن، والمحقق إلى مخيم الشمال. كرسي المشفى مشابه لكرسي التحقيق، الطبيب محقق بثوب أبيض:
-
“نجا من الحادث، الدراجات النارية تحمل الموت، أيام قليلة وسيصحو هو تحت تأثيرات الدواء والحادث، ولكنه نجا.”
لم تجب المرأة، اكتفت بالنظر إلى فم الطبيب وهو يتحدث، شفاه غليظة تركل الأحرف بإيقاع الضجيج.
الدراجة حلمه وهو في الرابع الابتدائي، عندما اشترت رهام بنت الجيران دراجتها الزهرية وكأنه حارسها الشخصي، وكل مساء كان يتفق مع والده على لون دراجته السوداء وأغراض زينتها. وصندوقه الصغير للعدة والأسلحة الخفيفة ليحرس رهام من الأطفال… كبروا ورحلت رهام إلى حي آخر، ولكنه لم يشترِ دراجة.
من الجنوب إلى الشمال، كانت المسافة كما بين الموت والحياة. سبع سنوات ونحن عالقون في عنق الموت، ولم يبق شيء لم يمر بنا بكافة الطعوم.
عماد ملقى على سرير الانتظار في المشفى، سنعود لننتظر عماد في مخيم النازحين هناك، في الخيمة الأقرب للعراء منها لخيمة، بما أخذناه من ستائر وأغطية رتقت به زينب ما تستطيع من جدران الخيمة، من خياطة أثواب العرائس لترقيع خيمة. كان لها ماكينة خياطة ومواسير قياس وقطع أقمشة تكفي لستر ألف عارية، كل هذه القطع تحولت إلى محرقة ونحن نحاول طهي ما تبقّى من أعشاب على أرصفة المخيم وشربة الصبار اللزجة…
أذكر ورقة خلود الطفلة ذات الخمسة عشر عامًا، عاشت الحصار أكثر من غيره، كتبت على ورقتها الساخرة على باب المطبخ:
-
“مطبخ أم عماد: سلطة بالحشائش الفلسطينية. شورية حشيش مع قريدس الصبار. عصير الصبار مفتاح الجنة. ورق شجر مع عيدان الكينا. قائمة مطعم الحجة أم عماد الأسبوعية. تشرفنا بكم والدفع نقدًا.”
الروح الساخرة قلبنا عنق الموت. بناتي كن غناء ضوء وعماد إيقاع الأبجدية. واستطاع الزواج هناك في مخيم اليرموك من اعتدال بنت الجيران وأنجب ابناً أسماه ناجي.
ركبنا مع الناجي الحافلة الخضراء، الطريق طويل، وبدأت أيام الحصار بالتجمع على الذاكرة، موجعة كأنها البعوض على ماء آسن. ليس في شريط الذاكرة لغة تكفي لتوضيح المشهد. شريط الذاكرة لم يُحمّض، لم يبق منه إلا ثقوب الحامض في وجهي.
هناك الحكايات حبرها التوجع المر، الوجع هناك ليس كأي توجع في مكان آخر. كتبت الحكايات أحرفها بدم القابعين في الحصار. الجوع صار شهريار وسيافه بتر رؤوس نساء وأطفال وعلقها على باب قصره ليمنع الحكايات من الصور.
الكاتب نضال الخليل