أرواح عالقة — عشرة آلاف جسد تحت الركام للكاتب  نضال الخليل

غزة ليست مكانًا، بل تجربة وجودية ممتدّة؛
حيث يصبح كل حجر فيها شاهدًا على عبث الزمن،
وكل جدارٍ مهدّم ينطق بصمتِ موتٍ لا يعرف نهاية.

هناك، تحت الأنقاض…
تحت الركام الذي صارت له ذاكرة،
ترقد عشرة آلاف روح ليست أرقامًا ولا مجرد قصص،
بل ظلالٌ لم يكتمل لها زمن الحياة—
رسائل من غائبين إلى الأحياء،
صرخات معلّقة في الهواء،
وسؤالٌ دائم عن معنى البقاء حين يصبح البقاء نفسه جريمة.

الأرض في غزة صارت مرآة للموت،
والفقد هو اللغة الوحيدة التي يفهمها الإنسان هناك.
كل حجر… كل قطعة من الحطام…
تحكي عن عبثية الحياة حين يتحول الأمل إلى فخ،
واللعب إلى مصيدة،
والطعام إلى فخٍّ آخر.

لعبُ الأطفال…
معلّبات الطعام المفخخة بحقدٍ محسوب…
كلّها شهادة على أن الحياة أصبحت امتحانًا مستمرًا،
وأن النجاة ليست حقًّا طبيعيًا،
بل تجربة تحتاج إلى فلسفة صمودٍ لا تنتهي.

الموت في غزة ليس حدثًا عابرًا،
بل حضورٌ دائم،
متوطّنٌ في كل زاوية،
في كل ركنٍ مهدم،
في كل صمتٍ مفروض.

يُجبر الإنسان هناك أن يتساءل:

  • كيف تستمر الحياة حين تصبح الخطوة التالية فخًّا؟

  • كيف يمكن للإنسان أن يضحك وهو يرى أن كل ما يعرفه عن الأمان قد انهار؟

كل يوم هناك يفرض قراءة جديدة للوجود،
ويعلّم الإنسان أن يسائل ذاته عن معنى الحضور،
عن حدود الصبر،
عن احتمالات البقاء وسط الخراب.

غزة… تجربة للذاكرة،
للوجع،
للوجود ذاته.
الإنسان هناك يدرك أن كل فعل بسيط—
كل حركة،
كل نفضة رماد—
هي إعادة ترتيب للعالم من جديد،
محاولة لإعادة الحياة إلى قلبٍ لم يمت بعد
رغم كل ما يُحاك حوله.

الحفر بين الأنقاض يصبح قراءة للزمان والمكان،
اختبارًا لقدرة النفس على المقاومة،
محاولة لاستدعاء معنى وسط الخراب،
لإيجاد شعاع ضوء في مدينة صارت معملاً للظلال والموت.

غزة ليست مدينة،
بل مختبرًا للإنسان أمام أقصى حدود الشر،
ومرآةً للبشرية كلها؛
حيث يصبح الصمت لغة الموت،
والخراب مرآة لضعف الإنسان،
والوجود نفسه سؤالًا بلا جواب.

هناك يُختبر معنى الحياة،
ويُحتفى بالقليل من النجاة،
ويُكتشف أن الاستمرار رغم الألم
هو فلسفة قائمة بذاتها
ليست كلمات ولا نظريات،
بل تجربة حيّة،
جسدٌ وروحٌ متشابكان مع موتٍ لم يتوقف.

غزة إذن ليست مكانًا؛
بل قصة مطوّلة للموت والحياة،
تجربة تتفرع إلى ألف سؤال عن الإنسان:
عن الخير والشر،
عن البقاء والرحيل،
عن القدرة على الحب والضحك والعيش
في وجه ما لا يُحكى… وما لا يُحتمل.

غزة هي الفصل الطويل من الحيرة،
الفصل الذي يعلّم الإنسان أن الحياة ليست دائمًا ما يعرفه،
وأن الصمود ليس خيارًا،
بل فعل وجودي يعيش فيه الإنسان كل يوم
تحت ركامه،
بين صرخات الصمت،
وفي مرايا الخراب التي لا تنتهي.

الكاتب نضال الخليل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *