العارف الذي ابتلعته مقاعده للكاتب نضال الخليل

هو الخمسينيّ الذي اختلَّ ميزانُ زمنه، كأنّ السنينَ كانت تُساقُ أمامه بالعصا،
وهو يتأمّلُ ظهورها لا وجوهها.

صار عُمرُه جغرافيا معلّقةً بين دفترٍ لم يكتمل،
وكرسيٍّ يتناسلُ تحته من تعبِ الجسدِ أرواحُ خشبٍ باهتة.

الوحدةُ ليست ظلَّه،
بل ما تبقّى منه بعد أن سقطَ الظلّ في حفرةِ الضوء.

يعيشُ بين رفوفٍ تسندُه كما تسندُ المقابرُ بقايا اللغة.
يسعلُ غباراً من الكتب التي نسيَها ليبقى حياً،
ويُصغي لصفحاتٍ لا تُقلبها يدٌ،
بل تفتحها الريحُ عن سهوٍ في صلاة.

الآخرون؟
أصابعُه التي كانت تعرفُهم تهاوت.
لم تعُد الأصابعُ أدواتِ لمسٍ،
بل ذكرياتِ جسدٍ كان يؤمن أن العالمَ قابلٌ للفهم.

الآن، كلُّ شيءٍ يمرُّ عليه كأفعى على رمادٍ بارد.
الكرسيُّ يأكلُه ببطءٍ طقوسيّ،
يعرفُ شكلَ عظامه،
يعرفُ صوتَ صمته حين يفكّرُ في لاشيء.

الجوعُ هناك،
لا في البطن، بل في فصوصِ الدماغ.
ينقرُه كعصفورٍ يائسٍ في صدفةِ العقل.

كلُّ فكرةٍ تُطلّ عليهِ بوجهِها النَحيل،
كأنّها تسأله:
– هل ما زلتَ تثقُ بالمعنى؟

هو المثقفُ الذي استبدلَ الجماهيرَ بمقعدٍ يدور حول نفسه،
واستبدلَ الحبَّ بحوارٍ مع الغياب،
واستبدلَ اللهَ بسؤالٍ لا يجرؤ على لفظه.

في الليل،
حين تنطفئُ المفاهيمُ كأحذيةٍ في مدخلِ العقل،
يسمعُ نفسه يتنفّس من ثقبٍ في الذاكرة،
ويظنُّ أنّ الوعيَ حفرةٌ ناعمة
تبتلعُ من يفكّرُ فيها أكثرَ مما تمنحهُ من نجاة.

هو الخمسينيّ الذي لا يقرأُ بعد الآن إلا وجعه،
يتصفّحهُ سطراً بسطر،
ويردُّ على الحياةِ بالهوامش فقط.

الكاتب نضال الخليل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *