كان الصباح يأتي من جهةٍ غائمة،
لا يعرف طريقه إلى النوافذ.
الضوء متعب، كما لو أنّه هو الآخر بلا أجرٍ كافٍ ليعمل في هذا البيت.
على الطاولة يجلس الأب، يقلب ما تبقّى من نقود
كأنّه يقرأ فنجانًا مقلوبًا من النحاس البارد—
الأرقام في ذهنه طيورٌ مذبوحة تحاول الطيران بلا أجنحة.
الأم تتحرك في المطبخ، لا تطبخ
بل تُفاوض الهواء على لقمةٍ أخرى.
تحرّك الملعقة كمن يحرّك الزمن علّه يلين.
في عينيها صبرٌ يابس
كحجرٍ في قاع نهرٍ جفّ منذ زمن.
كلّ مساء تعدّ الوجبة كما تُعدّ الصلاة:
بطقوسٍ خاشعة، وقلقٍ عميق، وخوفٍ من انقطاع النعمة.
الطفلان يستيقظان باكرًا، يذهبان إلى المدرسة
التي لم تعد تُشبه المدارس.
أبوابها تئن، والطبشور فيها يتكلم لغة البقاء
لا لغة العلم.
في الساحة الضيقة يتبادلون الأقلام
كما يتبادل الناس الخبز.
هناك في الصفوف يقف معلمون جائعون للأمل،
يكتبون على السبورة كلماتٍ مكسورة:
– الوطن… المستقبل… الكرامة…
بينما في جيوبهم ثقوبٌ تتسع أكثر من الحروف.
البيت نفسه يتنفس؛
له فمٌ في السقف يهمس للريح،
وله صدرٌ من جدارٍ يتشقق كلّما سكتت الغسالة.
في الليل، حين تنقطع الكهرباء،
يتحوّل كلّ شيء إلى ظلالٍ تُحادث بعضها.
الكرسي يقول للطاولة:
– ما عاد أحد يجلس.
والنافذة تردّ:
– ما عاد أحد يرى.
في الخارج، السوق ليست سوقًا
بل مسرحٌ للفقد.
الناس هناك يساومون على الكيلو والغرام،
يبيعون ساعات انتظارهم مقابل رغيف.
الفقر لا يأتي من الأعلى ولا من الأسفل،
بل يخرج من بين الأصابع،
من حواف الكلام،
من نظرات العابرين الذين تعلّموا ألاّ يلتقوا بأعين بعضهم
خوفًا من السؤال.
ذات مساء، عاد الأب متعبًا.
لم يقل شيئًا؛ جلس على حافة السرير
وأشعل سيجارةً مكسورة.
قال للهواء:
– الخطّ الفاصل بين الفقر والحياة صار سقفنا؛
نحن نعيش تحته كما تعيش الطيور تحت السحاب،
لا نصل إليه ولا نغادره.
ضحكت الأم بمرارةٍ تشبه بكاء الماء، وقالت:
– ربّما هو السماء الوحيدة التي بقيت لنا.
في الصباح التالي، ذهب الطفل الأصغر إلى المدرسة.
سأل المعلّم:
– لماذا نرسم دائمًا الشمس في أعلى الورقة؟
ألا يمكن أن تكون الشمس تحتنا يومًا؟
ضحك المعلم، ثمّ صمت طويلًا
كأنّ السؤال قد لامس قلبه.
منذ ذلك اليوم لم تعد العائلة ترسم الشمس فوق؛
كانت تضعها دائمًا في الأسفل، بين الأقدام،
لتسير معها لا عليها،
كأنّها تقول للعالم:
– نحن لم نسقط، بل الأرض ارتفعت أكثر مما ينبغي.
الليل يجيء كلّ يوم في موعده،
لا يتأخر.
يجلس في الزاوية معهم، يسمع الحكايات،
يشاركهم الشاي الرقيق،
يواسيهم بالصمت.
في الخارج يواصل العالم دورانَه،
لكنّ العائلة تعيش على إيقاعٍ آخر:
بطيء، متثاقل،
نبضه يشبه نبض من يمشي على حافة نهرٍ من نار.
الفقر هنا ليس عيبًا ولا ظرفًا،
بل هو لغة—
لغةٌ يكتبون بها رسائلهم إلى الغد،
يقرأها فقط من عاش قبلهم في الخراب.
وهكذا تواصل العائلة حياتها
تحت خطٍّ صار سماءها؛
تحتمي به من المطر الذي لا يأتي،
ومن الشمس التي لا تشرق،
ومن العالم الذي نسي أنّ البيوت تتنفس،
وأنّ الجوع ليس نقيض الكرامة
بل توأمها المصلوب في هذا العصر.
الكاتب نضال الخليل