كان الرجل يشبه بابًا قديمًا يُفتح بصعوبة، ويُغلق بصعوبة، ولا أحد يريد أن يمر منه أصلًا.
الزمنُ أكل كتفيه أولًا، ثم التهم خطواته، ثم بدأ يقضم صوته، حتى صار حديثه مثل صفارة شرطي فقد سلطته.
اختبأ خلف ظله، فالوجه تعبه، والذاكرة ضجرت منه، والناس لا يتذكرون إلا من يصرخون، وهو كان يفكر طويلًا قبل أن يرفع حاجبيه فقط.
الظل وحده لم يتركه، كان يمشي أمامه دائمًا كأنه يقول له:
-
تعال… أو ابقَ… لا فرق.
واتّخذ الكرسي وطنًا.
كرسي خشبي هزيل مسكين، لكنه الوحيد الذي لم يطلب منه بطاقة شخصية أو عقد إيجار أو إثبات حياة.
كان يجلس عليه وينظر إلى العالم، كمن ينظر من نافذة قطار لا يتحرك، وحين ينهض يشعر أنه ينفصل عن وطنه الحقيقي، لا عن قطعة خشب.
المدينة ابتلعته، ابتلعته لأنه كان خفيفًا مثل ورقة سقطت من دفتر لم يعد يهم أحدًا.
مضغته قليلًا ثم تقيّأته في أول شارعٍ جانبي، مر الناس بجانبه، نظروا إليه كما ينظرون إلى كيس فارغ على الرصيف: موجود لكنه لا يستحق التفكير.
في صباح ما، قرر الرجل أن يقوم، فكر أن قدميه ما زالتا موجودتين، وهذه وحدها معجزة.
وقف ببطء، وجمع نفسه كما يجمع المرء شتات فنجان انكسر منه نصفه، ثم خرج إلى الشارع.
أراد أن يستعيد وجهه، بحث عنه في الواجهات الزجاجية، فلم يجد إلا وجوهًا أخرى تشبه الخيبة.
وأراد أن يستعيد روحه، فوجد الروح مشغولة بمتابعة أخبارٍ لا تخصه.
اصطدم بالهواء، بالضجيج، باللامبالاة، وبباعة لا يعرفون الفرق بين الإنسان والظل.
عاد… لم يكن هناك ما ينتظره سوى الكرسي، الكرسي الذي لم يلغِ صداقته معه، ولم يقل له:
-
اخرج، لقد مللتك.
جلس عليه، وأطلق تنهيدة طويلة كأنها كانت تنتظره منذ ألف عام.
تكوم الرجل على نفسه، وصار أصغر قليلًا، كما يحدث للحكايات حين ينسى أصحابها نهايتها.
ولم يقل شيئًا، ولا أحد سأله لماذا عاد، ولا أحد سأل أين ذهب.
فالمدينة لا تهتم بمن يخرج ولا بمن يعود، المدينة تهتم فقط بمن يسقط بصوتٍ عالٍ… وهو كان يسقط بصمت.
ومع ذلك، وفي قلبه الذي لم يعلن استسلامه بعد، ظل شيء صغيرٌ ينبض.
شيء يقول له كلّ ليلة:
-
ربما غدًا… تنهض من جديد، ليس لأن هناك سببًا، بل لأنك اعتدت النهوض.
وهكذا… بقي الرجل بين ظله وكرسيّه، وبقيت المدينة لا تعرف أنها كل يوم كانت تخسر حكاية… ولا تعرف.
الكاتب نضال الخليل