وقفت الشجرة على ضفاف النهر، منحنيةً بخشوع للماء الذي يرويها، كأنها تهمس له بالشكر على عذوبته وكرمه. كانت الفراشات تحلّق من حولها، تزغرد بألوانها وتتناثر على أوراقها كحبات ضوءٍ ربيعي. الهواء عليل، والجو مفعم بالحياة، والشمس ما تزال ترسم بأشعتها خيوط النهار.
لكن حين أخذت الشمس تنسحب ببطء، وأسدل الليل ستائره، دوّى صوت غريب مزّق سكينة المكان. بدا الصوت كزئير جرافاتٍ تقتلع الأرض من جذورها. رفعت الشجرة بصرها، فرأت بأعينها كيف يُقتلع جيرانها من الأشجار المثمرة واحداً تلو الآخر. سقطوا أمامها صامتين، كأن الأرض لفظتهم قسراً. لم يبقَ في المكان سواها، وحلّ السكون بعدما ابتلع الليل كل الأصوات. حينها أجهشت بالبكاء، تبكي على جيرانها… وعلى مصيرها الذي بدا قريباً.
مع أول خيط من الفجر، انتفض قلبها هلعاً. كانت تنتظر قدوم الجرافات التي لم تصل بعد. راحت تسأل نفسها:
– هل هذا آخر يوم لي؟
– أين الفراشات التي كانت تغني حولي بالأمس؟
– ماذا سيفعلون بي؟
وبينما يشتد القلق في صدرها، علت الأصوات من جديد. هذه المرة لم تكن قريبة منها، بل بدت أبعد شيئاً فشيئاً. اقتربت الأقدام، سمعت الهمسات تتسرب إلى مسامعها:
– عملنا سيتوقف هنا… لا يجوز الحفر قرب النهر.
أغمضت الشجرة عينيها، كأنها تبتسم وسط دموعها. ، شعرت بطمأنينةٍ خفيفة تسري في عروقها. لقد نجت…
أغمضت الشجرة عينيها، والندى يتساقط دموعٍ من أوراقها.
شعرت بطمأنينةٍ تسري في عروقها، وكأن النهر ضمّها إلى صدره وحماها.
همست له باعتزاز:
– شكراً لك رفيق دربي… لقد أبقيتني حيّة،
وعادت الفراشات تتراقص حولها من جديد.
من جديد.
للكاتبة أميرة عبدالعظيم