مقدمة
في العقد الذي أعقب اندلاع الثورة السورية عام 2011، تشكّل داخل الرواية السورية حقلٌ أدبي جديد اتسم بمحاولات حثيثة للإمساك بمشاعر الانهيار والانفصال والذعر الذي اجتاح الذوات الفردية والجمعية.
لم تعد الرواية مجرّد مرآة للواقع السياسي أو وسيلة لتوثيق الحدث، بل غدت مساحة مقاومة داخلية تسعى لاختبار حدود اللغة والهوية والزمن في واقعٍ يتآكل من الداخل.
وفي هذا السياق، تبرز رواية «الخائفون» (2017) للكاتبة السورية ديمة ونوس كعملٍ مفصلي، لا لأنها تسرد سيرة الخوف فحسب، بل لأنها تنسج الخوف في صلب بنيتها الجمالية والنفسية والسردية.
الرواية النفسية-السياسية
تنتمي «الخائفون» إلى ما يمكن تسميته بـ الرواية النفسية-السياسية، حيث لا ينفصل التشريح الذاتي عن السياق العام، ولا تُطرح الأسئلة السياسية الكبرى إلا من خلال ارتجاج الذات وانكساراتها الدقيقة.
تتقاطع الرواية مع أعمالٍ سورية معاصرة كـ خالد خليفة وسمر يزبك وهالة محمد، لكنها تنفرد بلغة مكثّفة مشحونة وبنية متصدعة، تعكس ذاتًا في طور الانهيار، لا ذاتًا بطولية أو ساردة متماسكة.
بنية السرد وإيقاع الخوف
تعتمد الرواية هيكلاً سرديًا غير خطي تتداخل فيه الفصول القصيرة بطريقة تخلق توترًا تصاعديًا يوازي اضطراب الشخصيات.
الفصول تتوالى كدفعاتٍ من البوح المبتور، كما لو كانت محاولات للنجاة عبر الكتابة، لكنها لا تنجو من القطع المفاجئ.
تقول الراوية سلمى:
“كلما هممت بالكتابة ارتجفت يدي، كأن الكلمات تعرف أنها ستخونني.”
هذا التشظي البنيوي يعكس فقدان الاتساق الزمني والنفسي في الحياة السورية المعاصرة، حيث لا اكتمال لأي شيء.
تعدد الأصوات وانهيار المسافة بين الكاتب والقارئ
تلجأ ونوس إلى تقنية التناوب السردي بين ضمير المتكلم (سلمى) وضمير الغائب (كميل والطبيب النفسي)، ما يخلق حالة من اللااستقرار القرائي ويجعل القارئ شريكًا في بناء المعنى.
تقول سلمى:
“أكتب عنه، لكني أخاف أن يقرأ. أدوّن كي أهرب، لكني كلما كتبت اقترب مني أكثر.”
بهذا التناوب، يتحوّل القارئ من متلقٍ سلبي إلى شاهدٍ على تفكك الذات الساردة وانقسامها بين الداخل والخارج، بين الراوي ومن يُروى عنه.
الشخصيات بوصفها تمثيلات للخوف
الشخصيتان الرئيسيتان، سلمى وكميل، لا تُقدّمان ككيانات نمائية، بل كتمثيلات لحالاتٍ نفسية.
سلمى المترجمة تعيش بين الرغبة في الاعتراف والرغبة في الصمت:
“أكتب وكأنني أحفر قبري بيدي، ليس لأنني أكشف عن الآخرين، بل لأنني أفضح هشاشتي.”
أما كميل الطبيب النفسي، فيبدو كراصدٍ صامتٍ يتعامل مع الألم بوصفه ظاهرة بيولوجية، لا جرحًا إنسانيًا:
“كميل لا يتكلم، ينظر فقط، كأن نظرته تشقّنا نصفين؛ أحدهما نراه، والآخر نخجل من رؤيته.”
إنه مرآة سوداء تكشف الخوف دون أن تشفّيه.
الزمان والمكان: من الخلفية إلى الفاعلية
الزمن في الرواية مفتّتٌ ومفتوح؛ لا ماضٍ مكتمل ولا حاضر متصل. تقول سلمى:
“لا أعرف في أي عام نحن، هل مرّ زمن أصلًا؟”
أما دمشق، فليست فضاءً خارجيًا، بل كائنٌ يشارك في إنتاج الخوف:
“دمشق تهمس لنا من تحت الأرض: احذر دفترك، فكل جدارٍ فيها أذن، وكل شرفةٍ فخ.”
بهذا تتحول المدينة إلى جسدٍ سياسيٍّ ونفسيٍّ واحد يتكلم لغة الخوف نفسها.
اللغة كمرآة للتوتر النفسي
تتميّز لغة ونوس بقدرٍ عالٍ من التكثيف والانقطاع المقصود. الجمل قصيرة، متوترة، تنتهي غالبًا بوقفات صامتة:
“الحبر دمعة. والدمعة جرح. والجرح سرد لا يُشفى.”
الاقتصاد اللغوي هنا ليس اختيارًا جمالياً فقط، بل استراتيجية تمثيل للذعر الداخلي، حيث تُصبح اللغة نفسها ضحية الخوف.
خاتمة
تمثّل «الخائفون» نموذجًا نادرًا لـ الرواية النفسية-السياسية التي تجعل من الخوف بنيةً سردية لا موضوعًا.
إنها نصّ عن هشاشة الوجود السوري وعن محاولة الكتابة في زمنٍ لا يُسمح فيه بالصوت.
تُختتم الرواية بسؤالٍ مفتوحٍ يختزل جوهرها:
“هل يجرؤ قلمك بعدُ على مواصلة الحكاية؟”
بهذا تترك ونوس القارئ معلقًا بين الخوف والكتابة، بين الاعتراف والصمت، بين الذات والآخر، في مسرحٍ نفسيٍّ هشٍّ لا نهاية واضحة له.
الكاتب نضال الخليل